تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 595

مساهمون:

ص٥٩٥
حقا ، وجادل بالباطل ، ليضل الناس فقال :
أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ
، زعم أن هذه الآيات التي أراه إياها موسى ، سحر وتمويه ، المقصود منها ، إخراجهم من أرضهم ، والاستيلاء عليها ، ليكون كلامه مؤثرا في قلوب قومه ، فإن الطباع ، تميل إلى أوطانها ، ويصعب عليها الخروج منها ومفارقتها . فأخبرهم أن موسى هذا قصده ، ليبغضوه ، ويسعوا في محاربته ، فلنأتينك بسحر مثل سحرك فأمهلنا ، واجعل لنا
مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً
أي : مستو علمنا وعلمك به ، أو مكانا سويا معتدلا لتتمكن من رؤية ما فيه . [ 59 ] فقال موسى :
مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ
وهو عيدهم ، الذي يتفرغون فيه ويقطعون شواغلهم .
وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى
أي : يجمعون كلهم في وقت الضحى ، وإنما سأل موسى ذلك ، لأن يوم الزينة ووقت الضحى ، فيه يحصل كثرة الاجتماع ، ورؤية الأشياء على حقائقها ، ما لا يحصل في غيره . [ 60 ]
فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ
أي : جميع ما يقدر عليه ، مما يكيد به موسى ، فأرسل في مدائنه ، من يحشر السحرة الماهرين في سحرهم ، وكان السحر إذ ذاك ، متوافرا ، وعلمه مرغوبا فيه ، فجمع خلقا كثيرا من السحرة ، ثم أتى كل منهما للموعد ، واجتمع الناس للموعد . فكان الجمع حافلا ، حضره الرجال والنساء ، والملأ ، والأشراف ، والعوام ، والصغار ، والكبار ، وحضوا الناس على الاجتماع وقالوا للناس :
هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ
( 40 ) . [ 61 ] فحين اجتمعوا من جميع البلدان ، وعظهم موسى عليه السّلام ، وأقام الحجة عليهم ، وقال لهم :
وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ
أي : لا تنصروا ما أنتم عليه من الباطل بسحركم وتغالبون الحق ، وتفترون على اللّه الكذب فيستأصلكم بعذاب من عنده ، ويخيب سعيكم وافتراؤكم ، فلا تدركون ما تطلبون من النصر والجاه عند فرعون وملئه ، ولا تسلموا من عذاب اللّه . [ 62 ] وكلام الحق لا بد أن يؤثر في القلوب ، لا جرم ، ارتفع الخصام والنزاع بين السحرة ، لما سمعوا كلام موسى ، وارتبكوا . ولعل من جملة نزاعهم ، الاشتباه في موسى ، هل هو على الحق أم لا ؟ ولكن هم إلى الآن ، ما تم أمرهم ، ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا ،
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
، فحينئذ أسروا فيما بينهم النجوى ، وأنهم يتفقون على مقالة واحدة ، لينجحوا في مقالهم وفعالهم ، وليتمسك الناس بدينهم . [ 63 ] والنجوى التي أسروها وفسرها ، بقوله :
قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما
كمقالة فرعون السابقة ، فإما أن يكون ذلك توافقا من فرعون والسحرة على هذه المقالة من غير قصد ، وإما أن يكون تلقينا منه لهم مقالته ، التي صمم عليها ، وأظهرها للناس ، وزادوا على قول فرعون أن قالوا :
وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى
أي : طريقة السحر حسدكم عليها ، وأراد أن يظهر عليكم ، ليكون له الفخر والصيت والشهرة ، ويكون هو المقصود بهذا العلم ، الذي شغلتم زمانكم فيه ويذهب عنكم ما كنتم تأكلون بسببه ، وما يتبع ذلك من الرئاسة ، وهذا