تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ
، أي : مذللة بالعمل ،
تُثِيرُ الْأَرْضَ
بالحراثة ،
وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ
، أي : ليست بساقية ،
مُسَلَّمَةٌ
من العيوب أو من العمل
لا شِيَةَ فِيها
، أي : لا لون فيها غير لونها الموصوف المتقدم .
قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ
، أي : بالبيان الواضح ، وهذا من جهلهم ، وإلا فقد جاءهم بالحق أول مرة ، فلو أنهم اعترضوا أي بقرة ، لحصل المقصود ، ولكنهم شددوا بكثرة الأسئلة فشدد اللّه عليهم ، ولو لم يقولوا « إن شاء اللّه » لم يهتدوا أيضا إليها .
فَذَبَحُوها
، أي : البقرة التي وصفت بتلك الصفات ،
وَما كادُوا يَفْعَلُونَ
بسبب التعنت الذي جرى منهم . [ 73 ] فلما ذبحوها ، قلنا لهم اضربوا القتيل ببعضها ، أي : بعضو منها ، إما بعضو معين ، أو أي عضو منها ، فليس في تعيينه فائدة ، فضربوه ببعضها فأحياه اللّه ، وأخرج ما كانوا يكتمون ، فأخبر بقاتله ، وكان في إحيائه - وهم يشاهدون - ما يدل على إحياء اللّه الموتى ، لعلكم تعقلون ، فتنزجرون عن ما يضركم . [ 74 ]
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ
، أي : اشتدت وغلظت ، فلم تؤثر فيها الموعظة ،
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
، أي : من بعد ما أنعم اللّه عليكم بالنعم العظيمة ، وأراكم الآيات ، ولم يكن ينبغي أن تقسو قلوبكم لأن ما شاهدتم مما يوجب رقة القلب وانقياده . ثم وصف قسوتها بأنها
كَالْحِجارَةِ
التي هي أشد قسوة من الحديد ، لأن الحديد والرصاص إذا أذيب في النار ذاب بخلاف الأحجار . وقوله :
أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
، أي : إنها لا تقصر عن قساوة الأحجار ، وليست « أو » بمعنى « بل » . ثم ذكر فضيلة الأحجار على قلوبهم ، فقال :
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
فبهذه الأمور فضلت قلوبكم . ثم توعدهم تعالى أشد الوعيد ، فقال :
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
، بل هو عالم بها حافظ لصغيرها وكبيرها ، وسيجازيكم على ذلك ، أتم الجزاء وأوفاه . واعلم أن كثيرا من المفسرين رحمهم اللّه ، قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل ، ونزلوا عليها الآيات القرآنية ، وجعلوها تفسيرا لكتاب اللّه ، محتجين بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج » . والذي أرى أنه - وإن جاز نقل أحاديثهم على وجه - تكون مفردة غير مقرونة ، ولا منزلة على كتاب اللّه ، فإنه لا يجوز جعلها تفسيرا لكتاب اللّه قطعا إذا لم تصح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك أن مرتبتها كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم » ، فإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكا فيها ، وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به ، والقطع بألفاظه ومعانيه ، فلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة ، التي يغلب على الظن كذبها ، أو كذب أكثرها ، معاني لكتاب اللّه ، مقطوعا بها ، ولا يستريب بها أحد ، ولكن بسبب الغفلة عن هذا ، حصل ما حصل ، واللّه الموفق . [ 75 ]
أَ فَتَطْمَعُونَ
، هذا قطع لأطماع المؤمنين من إيمان أهل الكتاب ، أي : فلا تطمعوا في إيمانهم . وأخلاقهم لا تقتضي الطمع فيهم ، فإنهم كانوا يحرفون كلام اللّه من بعد ما عقلوه وعلموه ، فيضعون له معاني ، ما أرادها اللّه ، ليوهموا الناس أنها من عند اللّه ، وما هي من عند اللّه ، فإذا كانت حالهم في كتابهم الذي يرونه شرفهم ودينهم ،