تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 552

مساهمون:

ص٥٥٢
شيئا ، ففيها دليل على المنع من استفتاء من لا يصلح للفتوى ، إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه ، أو لكونه لا يبالي بما تكلم به ، وليس عنده ورع يحجزه . وإذا نهى عن استفتاء هذا الجنس ، فنهيه هو عن الفتوى ، من باب أولى وأحرى . وفي الآية أيضا ، دليل على أن الشخص ، قد يكون منهيا عن استفتائه في شيء ، دون آخر . فيستفتى فيما هو أهل له ، بخلاف غيره ، لأن اللّه لم ينه عن استفتائهم مطلقا ، إنما نهى عن استفتائهم في قصة أصحاب الكهف ، وما أشبهها . [ 23 - 24 ] هذا النهي كغيره ، وإن كان لسبب خاص وموجها للرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن الخطاب عام للمكلفين ، فنهى اللّه أن يقول العبد في الأمور المستقبلة
إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ
من دون أن يقرنه بمشيئة اللّه ، وذلك لما فيه من المحذور ، وهو : الكلام على الغيوب المستقبلة ، التي لا يدري ، هل يفعلها أم لا ؟ وهل تكون أم لا ؟ وفيه رد الفعل إلى مشيئة العبد استقلالا ، وذلك محذور محظور ، لأن المشيئة كلها للّه
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
( 29 ) ولما في ذكر مشيئة اللّه ، من تيسير الأمر وتسهيله ، وحصول البركة فيه ، والاستعانة من العبد لربه ، ولما كان العبد بشرا ، لا بد أن يسهو عن ذكر المشيئة ، أمره اللّه أن يستثني بعد ذلك ، إذا ذكر ، ليحصل المطلوب ، ويندفع المحذور . ويؤخذ من عموم قوله :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
الأمر بذكر اللّه عند النسيان ، فإنه يزيله ، ويذكّر العبد ما سها عنه . وكذلك يؤمر الساهي الناسي لذكر اللّه ، أن يذكر ربه ، ولا يكونن من الغافلين . ولما كان العبد مفتقرا إلى اللّه في توفيقه للإصابة ، وعدم الخطأ ، في أقواله وأفعاله ، أمره اللّه أن يقول :
عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً
، فأمره أن يدعو اللّه ويرجوه ، ويثق به أن يهديه لأقرب الطرق الموصلة إلى الرشد . وحريّ بعبد ، تكون هذه حاله ، ثم يبذل جهده ، ويستفرغ وسعه في طلب الهدى والرشد ، أن يوفق لذلك ، وأن تأتيه المعونة من ربه ، وأن يسدده في جميع أموره . [ 25 - 26 ] لما نهاه اللّه عن استفتاء أهل الكتاب ، في شأن أهل الكهف - لعدم علمهم بذلك ، وكان اللّه ، عالم الغيب والشهادة ، العالم بكل شيء - أخبره اللّه بمدة لبثهم ، وأن علم ذلك ، عنده وحده ، فإنه من غيب السماوات والأرض ، وغيبها مختص به ، فما أخبر به عنها على ألسنة رسله ، فهو الحق اليقين ، الذي لا شك فيه ، وما لا يطلع رسله عليه ، فإن أحدا من الخلق ، لا يعلمه . وقوله :
أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ
تعجب من كمال سمعه وبصره ، وإحاطتهما بالمسموعات والمبصرات ، بعد ما أخبر بإحاطة علمه بالمعلومات . ثم أخبر عن انفراده بالولاية العامة والخاصة ، فهو الولي الذي يتولى تدبير جميع الكون ، الولي لعباده المؤمنين ، يخرجهم من الظلمات إلى النور وييسرهم لليسرى ، ويجنبهم العسرى ، ولهذا قال :
ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ
. أي : هو الذي تولى أصحاب الكهف ، بلطفه وكرمه ، ولم يكلهم إلى أحد من الخلق .
وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً
وهذا يشمل الحكم الكوني القدري ، والحكم الشرعي الديني ، فإنه الحاكم في خلقه ، قضاء وقدرا ، وخلقا وتدبيرا والحاكم فيهم ، بأمره ونهيه ، وثوابه وعقابه . [ 27 ] ولما أخبر أنه تعالى ، له غيب السماوات والأرض ، فليس لمخلوق إليها طريق ، إلا عن الطريق التي يخبر بها عباده ، وكان هذا القرآن ، قد اشتمل على كثير من الغيوب ، أمر تعالى بالإقبال عليه فقال :
وَاتْلُ
إلى قوله :