تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
الْمُهْتَدِ
أي : لا سبيل إلى نيل الهداية : إلا من اللّه ، فهو الهادي المرشد لمصالح الدارين .
وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً
أي : لا تجد من يتولاه ويدبره ، على ما فيه صلاحه ، ولا يرشده إلى الخير والفلاح ، لأن اللّه قد حكم عليه بالضلال ، ولا راد لحكمه . [ 18 ]
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ
أي : تحسبهم أيها الناظر إليهم كأنهم أيقاظ ، والحال أنهم نيام . قال المفسرون : وذلك لأن أعينهم منفتحة ، لئلا تفسد ، فالناظر إليهم ، يحسبهم أيقاظا ، وهم رقود .
وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ
وهذا أيضا من حفظه لأبدانهم ، لأن الأرض من طبيعتها ، أكل الأجسام المتصلة بها ، فكان من قدر اللّه ، أن قلّبهم على جنوبهم ، يمينا وشمالا ، بقدر ما لا تفسد الأرض أجسامهم ، واللّه تعالى ، قادر على حفظهم من الأرض ، من غير تقليب ، ولكنه تعالى ، حكيم ، أراد أن تجري سنته في الكون ، ويربط الأسباب بمسبباتها .
وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ
أي : الكلب الذي كان مع أصحاب الكهف ، أصابه ما أصابهم من النوم وقت حراسته ، فكان باسطا ذراعيه بالوصيد ، أي : الباب ، أو فنائه ، هذا حفظهم من الأرض . وأما حفظهم من الآدميين ، فأخبر أنه حماهم بالرعب ، الذي نشره اللّه عليهم ، فلو اطلع عليهم أحد ، لامتلأ قلبه رعبا ، وولى منهم فرارا ، وهذا الذي أوجب أن يبقوا كل هذه المدة الطويلة ، وهم لم يعثر عليهم أحد ، مع قربهم من المدينة جدا . والدليل على قربهم ، أنهم لما استيقظوا ، أرسلوا أحدهم ، يشتري لهم طعاما من المدينة ، وبقوا في انتظاره ، فدل ذلك على شدة قربهم منها . [ 19 - 20 ] يقول تعالى :
وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ
من نومهم الطويل ،
لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ
، أي : ليتباحثوا للوقوف على الحقيقة ، من مدة لبثهم .
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
وهذا مبني على ظن القائل ، وكأنهم وقع عندهم اشتباه . في طول مدتهم ، فلهذا
قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ
. فردوا العلم إلى المحيط علمه بكل شيء ، جملة وتفصيلا . ولعل اللّه تعالى - بعد ذلك - أطلعهم على مدة لبثهم ، لأنه بعثهم ليتساءلوا بينهم ، وأخبر أنهم تساءلوا ، وتكلموا بمبلغ ما عندهم ، وصار آخر أمرهم ، الاشتباه . فلا بد أن يكون قد أخبرهم يقينا ، علمنا ذلك من حكمته في بعثهم ، وأنه لا يفعل ذلك عبثا . ومن رحمته بمن طلب علم الحقيقة في الأمور المطلوب علمها ، وسعى لذلك ما أمكنه ، فإن اللّه يوضح له ذلك ، وبما ذكر فيما بعده من قوله .
وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها
. فلو لا أنه حصل العلم بحالهم ، لم يكونوا دليلا على ما ذكر ، ثم إنهم لما تساءلوا بينهم ، وجرى منهم ما أخبر اللّه به ، أرسلوا أحدهم بورقهم ، أي : بالدراهم ، التي كانت معهم ، ليشتري لهم طعاما يأكلونه ، من المدينة ، التي خرجوا منها ، وأمروه أن يتخير من الطعام أزكاه ، أي : أطيبه وألذه ، وأن يتلطف في ذهابه وشرائه ، وإيابه ، وأن يختفي في ذلك ، ويخفي حال إخوانه ، ولا يشعرن بهم أحدا . وذكروا المحذور من اطلاع غيرهم عليهم ، وظهورهم عليهم ، أنهم بين أمرين ، إما الرجم بالحجارة ، فيقتلونهم أشنع قتلة ، لحنقهم عليهم وعلى دينهم ، وإما أن يفتنوهم عن دينهم ، ويردوهم في ملتهم . وفي هذه الحال ، لا يفلحون أبدا ، بل