تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 555

مساهمون:

ص٥٥٥
الثمرات ، وخصوصا أشرف الأشجار ، العنب ، والنخل . فالعنب ، وسطها ، والنخل ، قد حف بذلك ، ودار به ، فحصل فيه من حسن المنظر وبهائه ، وبروز الشجر والنخل للشمس والرياح ، التي تكمل لها الثمار ، وتنضج وتتجوهر ، ومع ذلك ، جعل بين تلك الأشجار زرعا . فلم يبق عليهما إلا أن يقال : كيف ثمار هاتين الجنتين ؟ وهل لهما ماء يكفيهما ؟ فأخبر تعالى ، أن كلا من الجنتين آتت أكلها أي : ثمرها وزرعها ضعفين أي : متضاعفا
وَ
أنها
لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً
أي : لم تنقص من أكلها أدنى شيء . ومع ذلك ، فالأنهار في جوانبهما سارحة ، كثيرة غزيرة .
وَكانَ لَهُ
أي : لذلك الرجل
ثَمَرٌ
أي : عظيم كما يفيده التنكير أي : قد استكملت جنتاه ثمارهما ، وارجحنت أشجارهما ، ولم تعرض لهما آفة أو نقص ، فهذا غاية منتهى زينة الدنيا في الحرث ، ولهذا اغتر هذا الرجل ، وتبجح وافتخر ، ونسي آخرته . [ 34 - 36 ] أي : فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن ، وهما يتحاوران ، أي : يتراجعان الكلام بينهما في بعض المجريات المعتادة ، مفتخرا عليه .
أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً
فخر بكثرة ماله ، وعزة أنصاره ، من عبيد ، وخدم ، وأقارب ، وهذا جهل منه . وإلا فأي افتخار بأمر خارجي ليس فيه فضيلة نفسية ، ولا صفة معنوية ، وإنما هو بمنزلة فخر الصبي بالأماني ، التي لا حقائق تحتها . ثم لم يكفه هذا الافتخار على صاحبه ، حتى حكم ، بجهله وظلمه ، وظن لما دخل جنته . ف
قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ
أي : تنقطع وتضمحل
هذِهِ أَبَداً
، فاطمأن إلى هذه الدنيا ، ورضي بها ، وأنكر البعث ، فقال :
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي
على ضرب المثل
لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً
أي : ليعطيني خيرا من هاتين الجنتين ، وهذا لا يخلو من أمرين . إما أن يكون عالما بحقيقة الحال ، فيكون كلامه هذا على وجه التهكم والاستهزاء فيكون زيادة كفر إلى كفره ، وإما أن يكون هذا ظنه في الحقيقة ، فيكون من أجهل الناس ، وأبخسهم حظّا من العقل ، فأي تلازم بين عطاء الدنيا ، وعطاء الآخرة ، حتى يظن بجهله ، أن من أعطي في الدنيا ، أعطي في الآخرة . بل الغالب ، أن اللّه تعالى يزوي الدنيا عن أوليائه وأصفيائه ، ويوسعها على أعدائه ، الذين ليس لهم في الآخرة نصيب ، والظاهر أنه يعلم حقيقة الحال ، ولكنه قال هذا الكلام ، على وجه التهكم والاستهزاء ، بدليل قوله :
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ
. فإثبات أن وصفه الظلم ، في حال دخوله ، الذي جرى منه ، من القول ما جرى ، يدل على تمرده وعناده . [ 37 - 39 ] أي : قال له صاحبه المؤمن - ناصحا له ، ومذكرا له حاله الأولى ، التي أوجده اللّه فيها في الدنيا
مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا
، فهو الذي أنعم عليك بنعمة الإيجاد والإمداد ، وواصل عليك النعم ، ونقلك من طور إلى طور ، حتى سواك رجلا ، كامل الأعضاء والجوارح المحسوسة ، والمعقولة ، وبذلك يسّر لك الأسباب ، وهيأ لك ما هيأ ، من نعم الدنيا ، فلم تحصل لك الدنيا ، بحولك وقوتك ، بل بفضل اللّه تعالى عليك ، فكيف يليق بك أن تكفر باللّه الذي خلقك من تراب ، ثم من نطفة ثم سواك رجلا وتجهل نعمته ، وتزعم أنه لا يبعثك ، وإن بعثك أنه يعطيك خيرا من جنتك ، هذا مما لا ينبغي ولا يليق . ولهذا لما رأى صاحبه المؤمن ، حاله واستمراره على كفره