تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 554

مساهمون:

ص٥٥٤
وقد أعطاه اللّه مشيئة ، بها يقدر على الإيمان والكفر ، والخير والشر فمن آمن ، فقد وفق للصواب ، ومن كفر ، فقد قامت عليه الحجة ، وليس بمكره على الإيمان كما قال تعالى :
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
. ثم ذكر تعالى مآل الفريقين فقال :
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ
بالكفر والفسوق والعصيان
ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها
أي : سورها المحيط بها . فليس لهم منفذ ، ولا طريق ، ولا مخلص منها ، تصلاهم النار الحامية .
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا
أن يطلبوا الشراب ، ليطفئ ما نزل بهم من العطش الشديد .
يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ
أي : كالرصاص المذاب ، أو كعكر الزيت ، من شدة حرارته .
يَشْوِي الْوُجُوهَ
أي : فكيف بالأمعاء والبطون ، كما قال تعالى :
يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ( 20 ) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ
( 21 ) .
بِئْسَ الشَّرابُ
الذي يراد ليطفئ العطش ، ويدفع بعض العذاب ، فيكون زيادة في عذابهم ، وشدة عقابهم .
وَساءَتْ
النار
مُرْتَفَقاً
وهذا ذم لحالة النار ، أنها ساءت المحل ، الذي يرتفق به . فإنها ليس فيها ارتفاق ، وإنما فيها العذاب العظيم الشاق ، الذي لا يفترّ عنهم ساعة ، وهم فيه مبلسون قد أيسوا من كل خير ، ونسيهم الرحيم في العذاب ، كما نسوه . [ 30 ] ثم ذكر الفريق الثاني فقال :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
أي : جمعوا بين الإيمان باللّه وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر والقدر ، خيره ، وشره ، وعمل الصالحات ، من الواجبات والمستحبات
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
. وإحسان العمل ، أن يريد العبد العمل لوجه اللّه ، متبعا في ذلك شرع اللّه . فهذا العمل لا يضيعه اللّه ، ولا شيئا منه ، بل يحفظه للعاملين ، ويوفيهم من الأجر ، بحسب عملهم وفضله وإحسانه ، وذكر أجرهم بقوله : [ 31 ]
أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ
. أي : أولئك الموصوفون بالإيمان والعمل الصالح ، لهم الجنات العاليات التي قد كثرت أشجارها ، فأجنّت من فيها ، وكثرت أنهارها ، فصارت تجري من تحت تلك الأشجار الأنيقة ، والمنازل الرفيعة . وحليتهم فيها ، الذهب ، ولباسهم فيها الحرير الأخضر من السندس ، وهو الغليظ من الديباج ، والإستبرق ، وهو : ما رق منه . متكئين فيها على الأرائك وهي : السرر المزينة ، المجملة بالثياب الفاخرة فإنها لا تسمى أريكة ، حتى تكون كذلك . وفي اتكائهم على الأرائك ، ما يدل على كمال الراحة ، وزوال النصب والتعب ، وكون الخدم يسعون عليهم بما يشتهون ، وتمام ذلك ، الخلود الدائم والإقامة الأبدية . فهذه الدار الجليلة
نِعْمَ الثَّوابُ
للعاملين
وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً
يرتفقون بها ، ويتمتعون بما فيها ، مما تشتهيه الأنفس ، وتلذ الأعين ، من الحبرة والسرور ، والفرح الدائم ، واللذات المتواترة ، والنعم المتوافرة . وأي مرتفق ، أحسن من دار ، أدنى أهلها ، يسير في ملكه ونعيمه ، وقصوره وبساتينه ، ألفي سنة ولا يرى فوق ما هو فيه من النعيم . قد أعطي جميع أمانيه ومطالبه ، وزيد من المطالب ، ما قصرت عنه الأماني . ومع ذلك ، فنعيمهم على الدوام ، متزايد في أوصافه وحسنه . فنسأل اللّه الكريم ، أن لا يحرمنا خير ما عنده ، من الإحسان ، بشرّ ما عندنا من التقصير والعصيان . ودلت الآية الكريمة ، وما أشبهها ، على أن الحلية ، عامة للذكور والإناث ، كما ورد في الأخبار الصحيحة لأنه أطلقها في قوله :
يُحَلَّوْنَ
وكذلك الحرير ونحوه . [ 32 - 33 ] يقول تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : اضرب للناس مثل هذين الرجلين الشاكر لنعمة اللّه ، والكافر لها ، وما صدر من كل منهما ، من الأقوال والأفعال ، وما حصل بسبب ذلك ، من العقاب العاجل ، والآجل ، والثواب ليعتبروا بحالهما ، ويتعظوا بما حصل عليهما ، وليس معرفة أعيان الرجلين ، وفي أي زمان أو مكان هما ، فيه فائدة أو نتيجة . فالنتيجة تحصل من قصتهما فقط ، والتعرض لما سوى ذلك ، من التكلف . فأحد هذين الرجلين الكافر لنعمة اللّه الجليلة ، جعل اللّه له جنتين أي : بساتين حسنة ، من أعناب .
وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ
أي : في هاتين الجنتين من كل