تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
[ 3 ] ومع ذلك فهذا الأجر الحسن
ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً
( 3 ) لا يزول عنهم ، ولا يزولون عنه ، بل نعيمهم في كل وقت متزايد ، وفي ذكر التبشير ، ما يقتضي ذكر الأعمال الموجبة للمبشر به . وهو : أن هذا القرآن ، قد اشتمل على كل عمل صالح ، موصل لما تستبشر به النفوس ، وتفرح به الأرواح . [ 4 - 5 ]
وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً
( 4 ) من اليهود والنصارى ، والمشركين ، الّذين قالوا هذه المقالة الشنيعة ، فإنهم لم يقولوها عن علم ولا يقين ، لا علم منهم ، ولا علم من آبائهم الّذين قلدوهم واتبعوهم ، بل إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس .
كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
أي : عظمت شناعتها واشتدت عقوبتها ، وأي شناعة أعظم من وصفه ، بالاتخاذ للولد ، الذي يقتضي نقصه ، ومشاركة غيره له في خصائص الربوبية ، والإلهية ، والكذب عليه ؟ ! !
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً *
، ولهذا قال هنا :
إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً
أي : كذبا محضا ما فيه من الصدق شيء ، وتأمل كيف أبطل هذا القول بالتدريج والانتقال من شيء إلى أبطل منه ، فأخبر أولا : أنه
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ
والقول على اللّه بلا علم ، لا شك في منعه وبطلانه ، ثم أخبر ثانيا ، أنه قول قبيح شنيع فقال :
كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
، ثم ذكر ثالثا مرتبته من القبح ، وهو : الكذب المنافي للصدق . [ 6 ] ولما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، حريصا على هداية الخلق ، ساعيا في ذلك أعظم السعي ، فكان صلّى اللّه عليه وسلم ، يفرح ويسر بهداية المتدين ، ويحزن ويأسف على المكذبين الضالين ، شفقة منه صلّى اللّه عليه وسلم ، عليهم ورحمة بهم ، أرشده اللّه أن لا يشغل نفسه بالأسف على هؤلاء ، الّذين لا يؤمنون بهذا القرآن ، كما قال في الأخرى .
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
( 3 ) . وقال :
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ
. وهنا قال :
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ
أي : مهلكها ، غما وأسفا عليهم ، وذلك أن أجرك ، قد وجب على اللّه ، وهؤلاء لو علم اللّه فيهم خيرا ، لهداهم . ولكنه علم أنهم لا يصلحون إلا للنار ، فلذلك خذلهم ، فلم يهتدوا ، فإشغالك نفسك غما وأسفا عليهم ، ليس فيه فائدة لك . وفي هذه الآية ونحوها عبرة . فإن المأمور بدعاء الخلق إلى اللّه ، عليه التبليغ ، والسعي بكل سبب يوصل إلى الهداية ، وسد طرق الضلال والغواية بغاية ما يمكنه ، مع التوكل على اللّه في ذلك ، فإن اهتدوا فبها ونعمت ، وإلا فلا يحزن ولا يأسف ، فإن ذلك مضعف للنفس ، هادم للقوى ، ليس فيه فائدة ، بل يمضي على فعله ، الذي كلّف به وتوجه إليه ، وما عدا ذلك ، فهو خارج عن قدرته . وإذا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول اللّه له :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
وموسى عليه السّلام يقول :
رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي
الآية ، فمن عداهم ، من باب أولى وأحرى ، قال تعالى :
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ( 21 ) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ
( 22 ) . [ 7 - 9 ] يخبر تعالى ، أنه جعل جميع ما على وجه الأرض ، من مآكل لذيذة ، ومشارب ، وملابس طيبة ، وأشجار ، وأنهار ، وزروع ، وثمار ، ومناظر بهيجة ، ورياض أنيقة ، وأصوات شجية ، وصور مليحة ، وذهب وفضة ، وخيل وإبل ونحوها ، الجميع جعله اللّه زينة لهذه الدار ، فتنة واختبارا .
لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
أي :