به ، ونهى عن ضده ، وأقام عليه من الحجج العقلية والنقلية ، شيئا كثيرا ، بحيث أن من أصغى إلى بعضها ، لا تدع في قلبه ، شكا ولا ريبا .
[ 42 ] ومن الأدلة على ذلك ، هذا الدليل العقلي الذي ذكره هنا فقال :
قُلْ
للمشركين الّذين يجعلون مع اللّه إلها آخر :
لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ
أي : على موجب زعمهم وافترائهم
إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا
أي :
لاتخذوا سبيلا إلى اللّه بعبادته ، والإنابة إليه والتقرب وابتغاء الوسيلة . فكيف يجعل العبد الفقير الذي يرى شدة افتقاره لعبودية ربه ، إلها مع اللّه ؟ هل هذا إلا من أظلم الظلم وأسفه السفه ؟ فعلى هذا المعنى ، تكون هذه الآية كقوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ
.
وكقوله تعالى :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ( 17 ) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ
. ويحتمل أن المعنى في قوله :
قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا
( 42 ) أي : لطلبوا السبيل وسعوا في مغالبة اللّه تعالى . فإما أن يعلوا عليه فيكون من علا وقهر ، هو الرب الإله . فأما وقد علموا أنهم يقرون أن آلهتهم ، التي يدعون من دون اللّه مقهورة مغلوبة ، ليس لها من الأمر شيء ، فلم اتخذوها وهي بهذه الحال ؟ فيكون هذا كقوله تعالى :
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
.
[ 43 ]
سُبْحانَهُ وَتَعالى
أي : تقدس وتنزه وعلت أوصافه
عَمَّا يَقُولُونَ
من الشرك به ، واتخاذ الأنداد معه
عُلُوًّا كَبِيراً
فعلا قدره ، وعظم ، وجلّت كبرياؤه ، التي لا تقادر أن يكون معه آلهة ، فقد ضل من قال ذلك ، ضلالا مبينا ، وظلم ظلما كبيرا . لقد تضاءلت لعظمته المخلوقات العظيمة ، وصغرت لدى كبريائه ، السماوات السبع ، ومن فيهن ، والأرضون السبع ، ومن فيهن
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
. وافتقر إليه العالم العلوي والسفلي ، فقرا ذاتيا ، لا ينفك عن أحد منهم في وقت من الأوقات . هذا الفقر بجميع وجوهه ، فقر من جهة الخلق ، والرزق ، والتدبير . وفقر من جهة الاضطرار ، إلى أن يكون معبوده ومحبوبه ، الذي إليه يتقربون وإليه في كل حال يفزعون .
[ 44 ] ولهذا قال :
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ
من حيوان ناطق ، وغير ناطق ، ومن أشجار ، ونبات ، وجامد ، وحيّ وميت
إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
بلسان الحال ، ولسان المقال .
وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
أي : تسبيح باقي المخلوقات ، التي على غير لغتكم . بل يحيط بها علام الغيوب .
إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
حيث لم يعاجل بالعقوبة ، من قال فيه قولا تكاد السماوات والأرض تتفطر منه وتخر له الجبال . ولكنه أمهلهم ، وأنعم عليهم ، وعفاهم ، ورزقهم ، ودعاهم إلى بابه ، ليتوبوا من هذا الذنب العظيم ، ليعطيهم الثواب الجزيل ، ويغفر لهم ذنبهم .
فلو لا حلمه ومغفرته ، لسقطت السماوات على الأرض ، ولما ترك على ظهرها من دابة .
[ 45 ] يخبر تعالى عن عقوبته للمكذبين بالحق الّذين ردوه ، وأعرضوا عنه ، أنه يحول بينهم وبين الإيمان فقال :