تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
فتنفق فيما لا ينبغي ، وزيادة على ما ينبغي .
فَتَقْعُدَ
إن فعلت ذلك
مَلُوماً
أي : تلام على ما فعلت
مَحْسُوراً
أي : حاسر اليد فارغها ، فلا بقي ما في يدك من المال ولا خلفه مدح وثناء . وهذا الأمر بإيتاء ذي القربى ، مع القدرة والغنى . فأما مع العدم ، أو تعسر النفقة الحاضرة ، فأمر تعالى أن يردّوا ردّا جميلا فقال :
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها
أي : تعرضن عن إعطائهم إلى وقت آخر ، ترجو فيه من اللّه تيسير الأمر .
فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً
أي : لطيفا برفق ، ووعد بالجميل ، عند سنوح الفرصة ، واعتذار بعدم الإمكان ، في الوقت الحاضر ، لينقلبوا عنك ، مطمئنة خواطرهم ، كما قال تعالى :
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً
. وهذا أيضا ، من لطف اللّه تعالى بالعباد ، أمرهم بانتظار الرحمة والرزق منه ، لأن انتظار ذلك عبادة ، وكذلك وعدهم بالصدقة والمعروف عند التيسر ، عبادة حاضرة ، لأن الهم بفعل الحسنة ، حسنة ، ولهذا ينبغي للإنسان أن يفعل ما يقدر عليه من الخير ، وينوي فعل ما لم يقدر عليه ، ليثاب على ذلك ، ولعل اللّه ييسر له بسبب رجائه . [ 30 ] ثم قال تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ
من عباده
وَيَقْدِرُ
أي : يضيقه على من يشاء ، حكمة منه .
إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
فيجزيهم على ما يعلمه صالحا لهم ، ويدبرهم ، بلطفه وكرمه . [ 31 ] وهذا من رحمته بعباده ، حيث كان أرحم بهم من والديهم ، فنهى الوالدين أن يقتلوا أولادهم ، خوفا من الفقر والإملاق ، وتكفل برزق الجميع . وأخبر أن قتلهم كان خطأ كبيرا ، أي : من أعظم كبائر الذنوب ، لزوال الرحمة من القلب ، والعقوق العظيم ، والتجرّؤ على قتل الأطفال ، الّذين لم يجر منهم ذنب ولا معصية . [ 32 ] النهي عن قربان الزنا أبلغ من النهي عن مجرد فعله ، لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه ، فإن : « من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه » ، خصوصا هذا الأمر ، الذي في كثير من النفوس ، أقوى داع إليه . ووصف اللّه الزنا وقبحه بأنه
كانَ فاحِشَةً
أي : إنما يستفحش في الشرع والعقل ، والفطر ، لتضمنه التجري على الحرمة في حق اللّه ، وحق المرأة ، وحق أهلها ، أو زوجها ، وإفساد الفراش ، واختلاط الأنساب وغير ذلك من المفاسد . وقوله :
وَساءَ سَبِيلًا
أي : بئس السبيل ، سبيل من تجرأ على هذا الذنب العظيم . [ 33 ] وهذا شامل لكل نفس
حَرَّمَ اللَّهُ
قتلها من صغير وكبير ، وذكر وأنثى ، وحر وعبد ، ومسلم وكافر له عهد .
إِلَّا بِالْحَقِّ
كالنفس بالنفس ، والزاني المحصن ، والتارك لدينه ، المفارق للجماعة ، والباغي في حال بغيه ، إذا لم يندفع إلا بالقتل .
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً
أي : بغير حق
فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ
وهو ، أقرب عصباته وورثته إليه
سُلْطاناً
أي : حجة ظاهرة على القصاص من القاتل وجعلنا له أيضا تسلطا قدريا على ذلك ، وذلك حين تجتمع الشروط الموجبة للقصاص ، كالعمد العدوان ، والمكافأة .
فَلا يُسْرِفْ
الولي
فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً
. والإسراف ، مجاوزة الحد ، إما أن يمثل بالقاتل ، أو يقتله بغير ما قتل به ، أو يقتل غير القاتل . وفي هذه الآية ، دليل على أن الحق في القتل للولي ، فلا يقتص إلا بإذنه ، وإن عفا سقط القصاص . وإن وليّ المقتول ، يعينه اللّه على القاتل ، ومن أعانه حتى يتمكن من قتله . [ 34 ] وهذا من لطفه ورحمته تعالى باليتيم ، الذي فقد والده ، وهو صغير ، غير عارف بمصلحة نفسه ، ولا قائم بها ، أن أمر أولياءه بحفظه ، وحفظ ماله ، وإصلاحه ، وأن لا يقربوه
إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
من التجارة فيه ، وعدم تعريضه للأخطار ، والحرص على تنميته ، وذلك ممتد إلى أن
يَبْلُغَ
اليتيم
أَشُدَّهُ
أي : بلوغه ، وعقله ، ورشده ، فإذا بلغ أشده ، زالت عنه الولاية ، وصار ولي نفسه ، ودفع إليه ماله . كما قال تعالى :
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
،
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ
الذي عاهدتم اللّه عليه ، والذي عاهدتم الخلق عليه .
إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا
أي : مسؤولون عن الوفاء به . فإن وفيتم ، فلكم الثواب الجزيل ، وإن لم تفعلوا ، فعليكم الإثم العظيم . [ 35 ] وهذا أمر بالعدل وإيفاء المكاييل والموازين بالقسط ، من غير بخس ولا نقص . ويؤخذ من عموم المعنى ،