تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 537

مساهمون:

ص٥٣٧
[ 56 ] يقول تعالى :
قُلِ
للمشركين باللّه الّذين اتخذوا من دونه أندادا يعبدونهم ، كما يعبدون اللّه ، ويدعونهم كما يدعونه ، ملزما لهم بتصحيح ما زعموه واعتقدوه إن كانوا صادقين :
ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ
آلهة
مِنْ دُونِهِ
فانظروا هل ينفعونكم ، أو يدفعون عنكم الضر .
فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ
من مرض ، أو فقر ، أو شدة ونحو ذلك ، فلا يدفعونه بالكلية .
وَلا
يملكون أيضا
تَحْوِيلًا
له من شخص إلى آخر ، من شدة إلى ما دونها . فإذا كانوا بهذه الصفة فلأي شيء تدعونهم من دون اللّه ؟ فإنهم لا كمال لهم ، ولا فعال نافعة . فاتخاذهم آلهة نقص في الدين والعقل ، وسفه في الرأي . ومن العجب ، أن السفه عند الاعتياد والممارسة ، وتلقيه عن الآباء الضالين بالقبول ، يراه صاحبه ، هو الرأي السديد ، والعقل المفيد . ويرى إخلاص الدين للّه الواحد الأحد المنعم بجميع النعم الظاهرة والباطنة ، هو السفه ، والأمر المتعجب منه ، كما قال المشركون :
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ
( 5 ) . [ 57 ] ثم أخبر أيضا ، أن الّذين يعبدونهم من دون اللّه ، في شغل شاغل عنهم ، باهتمامهم بالافتقار إلى اللّه ، وابتغاء الوسيلة إليه فقال :
أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
من الأنبياء والصالحين والملائكة
يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ
أي : يتنافسون في القرب من ربهم ، ويبذلون ما يقدرون عليه ، من الأعمال الصالحة ، المقربة إلى اللّه تعالى :
وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ
فيجتنبون كل ما يوصل إلى العذاب .
إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً
أي : هو الذي ينبغي شدة الحذر منه والتوقي من أسبابه . وهذه الأمور الثلاثة ، الخوف ، والرجاء ، والمحبة ، التي وصف اللّه بها هؤلاء المقربين عنده ، هي الأصل ، والمادة في كل خير . فمن تمت له ، تمت له أمور . وإذا خلا القلب منها ، ترحلت عنه الخيرات ، وأحاطت به الشرور . وعلامة المحبة ، ما ذكره اللّه ، أن يجتهد العبد في كل محل يقربه إلى اللّه وينافس في قربه بإخلاص الأعمال كلها للّه ، والنصح فيها ، وإيقاعها في أكمل الوجوه المقدورة عليها . فمن زعم أنه يحب اللّه بغير ذلك ، فهو كاذب . [ 58 ] أي : ما من قرية من القرى المكذبة للرسل ، إلا لا بد أن يصيبهم هلاك يوم القيامة ، أو عذاب شديد ، كتاب كتبه اللّه ، وقضاء أبرمه ، لا بد من وقوعه . فليبادر المكذبون بالإنابة إلى اللّه ، وتصديق رسله ، قبل أن تتم عليهم كلمة العذاب ، ويحق عليهم القول . [ 59 ] يذكر تعالى رحمته ، بعدم إنزاله الآيات ، التي اقترحها المكذبون ، وأنه ما منعه أن يرسلها ، إلا كراهة تكذيبهم لها . فإذا كذبوا بها ، عاجلهم العقاب ، وحل بهم من غير تأخير ، كما فعل بالأولين الّذين كذبوا بها . ومن أعظم الآيات ، الآية التي أرسلها اللّه إلى ثمود ، وهي الناقة العظيمة الباهرة ، التي كانت تصدر عنها جميع القبيلة بأجمعها ، ومع ذلك ، كذبوا بها ، فأصابهم ما قص اللّه علينا في كتابه . وهؤلاء كذلك ، لو جاءتهم الآيات الكبار ، لم يؤمنوا . فإنه ما منعهم من الإيمان ، خفاء ما جاء به الرسول واشتباهه ، هل هو حق أو باطل ؟ فإنه قد جاء ومعه من البراهين الكثيرة ، بما دل على صحة ما جاء به الموجب لهداية من طلب الهداية فغيرها مثلها ، فلا بد أن يسلكوا بها ، ما سلكوا بغيرها ، فترك إنزالها والحالة هذه ، خير لهم وأنفع . وقوله :
وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً
أي : لم يكن القصد بها أن تكون داعية وموجبة للإيمان ، الذي لا يحصل إلا بها . بل المقصود منها ، التخويف والترهيب ، ليرتدعوا عن ما هم عليه . [ 60 ]
وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ
علما وقدرة ، فليس لهم ملجأ يلجئون إليه ، ولا ملاذ ، يلوذون به عنه . وهذا كاف لمن له عقل في الانكفاف عما يكرهه اللّه الذي أحاط بالناس .
وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ
أكثر المفسرين على أنها ليلة الإسراء .
وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ
التي ذكرت
فِي الْقُرْآنِ
وهي شجرة الزقوم ، التي تنبت في أصل الجحيم . والمعنى ، إذا كان هذان الأمران ، قد صارا فتنة للناس حتى استلج الكفار بكفرهم ، وازداد