تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
قدريا ،
فَفَسَقُوا فِيها
، واشتد طغيانهم .
فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
أي : كلمة العذاب التي لا مرد لها
فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
. وهؤلاء أمم كثيرة أبادهم اللّه بالعذاب ، من بعد قوم نوح ، كعاد ، وثمود ، وقوم لوط ، وغيرهم ، ممن عاقبهم اللّه ، لما كثر بغيهم ، واشتد كفرهم ، أنزل اللّه بهم عقابه العظيم .
وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
فلا يخافون منه ظلما ، وأنه يعاقبهم على ما عملوه . [ 18 ] يخبر تعالى أن
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ
أي : الدنيا المنقضية الزائلة ، فعمل لها ، وسعى ، ونسي المبتدأ أو المنتهى ، أن اللّه يعجل له من حطامها ومتاعها ، ما يشاؤه ويريده ، مما كتب اللّه له في اللوح المحفوظ ، ولكنه متاع غير نافع ولا دائم له . ثم يجعل له في الآخرة
جَهَنَّمَ يَصْلاها
أي : يباشر عذابها
مَذْمُوماً مَدْحُوراً
أي : في حالة الخزي والفضيحة والذم من اللّه ، ومن خلقه ، والبعد عن رحمة اللّه ، فيجمع له العذاب والفضيحة . [ 19 - 20 ]
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ
فرضيها وآثرها على الدنيا
وَسَعى لَها سَعْيَها
الذي دعت إليه الكتب السماوية ، والآثار النبوية ، فعمل بذلك على قدر إمكانه
وَهُوَ مُؤْمِنٌ
باللّه وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر .
فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
أي : مقبولا منمّى ، مدخرا ، لهم أجرهم وثوابهم عند ربهم . ومع هذا ، فلا يفوتهم نصيبهم من الدنيا ، فكلا يمده اللّه منها ، لأنه عطاؤه وإحسانه .
وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً
أي : ممنوعا من أحد ، بل جميع الخلق راتعون بفضله وإحسانه . [ 21 ]
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
في الدنيا ، بسعة الأرزاق وقلتها ، واليسر والعسر ، والعلم والجهل ، والعقل والسفه ، وغير ذلك من الأمور التي فضل اللّه العباد بعضهم على بعض بها .
وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
فلا نسبة لنعيم الدنيا ولذاتها ، إلى الآخرة ، بوجه من الوجوه . فكم بين من هو في الغرف العاليات ، واللذات المتنوعات ، والسرور والخيرات والأفراح ، ممن هو يتقلب في الجحيم ، ويعذب بالعذاب الأليم وقد حل عليه سخط الرب الرحيم ، وكل من الدارين بين أهلها من التفاوت ما لا يمكن أحدا عدّه . [ 22 ] أي : لا تعتقد أن أحدا من المخلوقين يستحق شيئا من العبادة ، ولا تشرك باللّه أحدا منهم ، فإن ذلك داع للذم والخذلان . فاللّه ، وملائكته ، ورسله ، قد نهوا عن الشرك ، وذموا عن عمله أشد الذم ، ورتبوا عليه من الأسماء المذمومة ، والأوصاف المقبوحة ، ما كان به متعاطيه ، أشنع الخلق وصفا ، وأقبحهم نعتا . وله من الخذلان في أمر دينه ودنياه ، بحسب ما تركه من التعلق بربه . فمن تعلق بغيره ، فهو مخذول ، قد وكل إلى من تعلق به ، ولا أحد من الخلق ينفع أحدا ، إلا بإذن اللّه . كما أن من جعل مع اللّه إلها آخر ، له الذم والخذلان . فمن وحده ، وأخلص دينه للّه ، وتعلق به دون غيره ، فإنه محمود معان في جميع أحواله . [ 23 ] لما نهى تعالى عن الشرك به ، أمر بالتوحيد ، فقال :
وَقَضى رَبُّكَ
قضاء دينيا ، وأمرا شرعيا .
أَلَّا تَعْبُدُوا
أحدا من أهل الأرض والسماوات والأحياء والأموات .
إِلَّا إِيَّاهُ
لأنه الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي له كل صفة كمال ، وله من كل صفة أعظمها ، على وجه لا يشبهه أحد من خلقه ، وهو المنعم بالنعم الظاهرة
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 530 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي