تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
وذلك أنها أتتهم ، فردوها ، وعرضت عليهم ، فلم يقبلوها . [ 109 ]
لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ
( 109 ) الذين خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم يوم القيامة ، وفاتهم النعيم المقيم ، وحصلوا على العذاب الأليم . وهذا بخلاف من أكره على الكفر ، وأجبر عليه ، وقلبه مطمئن بالإيمان ، راغب فيه فإنه لا حرج عليه ولا إثم ، ويجوز له النطق بكلمة الكفر ، عند الإكراه عليها . ودل ذلك ، على أن كلام المكره على الطلاق ، أو العتاق ، أو البيع ، أو الشراء ، أو سائر العقود ، أنه لا عبرة به ، ولا يترتب عليه حكم شرعي ، لأنه إذا لم يعاقب على كلمة الكفر ، إذا أكره عليها ، فغيرها من باب أولى وأحرى . [ 110 ] أي : ثم إن ربك الذي ربى عباده المخلصين بلطفه وإحسانه لغفور رحيم ، لمن هاجر في سبيله ، وخلى دياره وأمواله ، طالبا لمرضاة اللّه ، وفتن على دينه ، ليرجع إلى الكفر ، فثبت على الإيمان ، وتخلص ما معه من اليقين . ثم جاهد أعداء اللّه ، ليدخلهم في دين اللّه ، بلسانه ، ويده ، وصبر على هذه العبادات الشاقة ، على أكثر الناس . فهذه أكبر الأسباب ، التي ينال بها أعظم العطايا ، وأفضل المواهب ، وهي مغفرة اللّه للذنوب ، صغارها ، وكبارها ، المتضمن ذلك زوال كل أمر مكروه . ورحمته العظيمة التي بها صلحت أحوالهم واستقامت أمور دينهم ودنياهم . فلهم الرحمة من اللّه في يوم القيامة . [ 111 ]
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
كلّ يقول نفسي ، لا يهمه سوى نفسه . ففي ذلك اليوم ، يفتقر العبد إلى حصول مثقال ذرة من الخير .
وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ
من خير وشر
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
فلا يزاد في سيئاتهم ، ولا ينقص من حسناتهم .
فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 54 ) . [ 112 - 113 ] وهذه القرية هي : مكة المشرفة ، التي كانت آمنة مطمئنة ، لا يهاج فيها أحد ، وتحترمها الجاهلية الجهلاء حتى إن أحدهم ، يجد فيها قاتل أبيه وأخيه ، فلا يهيجه مع شدة الحمية فيهم ، والنعرة العربية فحصل لها في مكة ، من الأمن التام ، ما لم يحصل في سواها وكذلك الرزق الواسع . كانت بلدة ليس فيها زرع ولا شجر ، لكن يسر اللّه لها الرزق ، يأتيها من كل مكان . فجاءهم رسول منهم ، يعرفون أمانته وصدقه ، يدعوهم إلى أكمل الأمور ، وينهاهم عن الأمور السيئة ، فكذبوه ، وكفروا بنعمة اللّه عليهم ، فأذاقهم اللّه ، ضد ما كانوا فيه ، وألبسهم لباس الجوع ، الذي هو ضد الرغد ، والخوف ، الذي هو ضد الأمن ، وذلك بسبب صنيعهم وكفرهم ، وعدم شكرهم
وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
. [ 114 ] يأمر تعالى عباده بأكل ما رزقهم اللّه من الحيوانات ، والحبوب ، والثمار ، وغيرها .
حَلالًا طَيِّباً
أي : حالة كونها متصفة بهذين الوصفين بحيث لا تكون مما حرم اللّه ، أو أثرا من غصب ونحوه . فتمتعوا بما خلق اللّه لكم ، من غير إسراف ، ولا تعدّ .
وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
بالاعتراف بها ، بالقلب ، والثناء على اللّه بها ، وصرفها في طاعة اللّه .
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
أي : إن كنتم مخلصين له العبادة ، فلا تشكروا إلا إياه ، ولا تنسوا المنعم . [ 115 ]
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ
الأشياء المضرة ، تنزيها لكم . ومن ذلك :
الْمَيْتَةَ
ويدخل في ذلك كل ما
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 524 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي