تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
[ 124 ] يقول تعالى :
إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ
أي : فرضا
عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ
حين ضلوا عن يوم الجمعة ، وهم اليهود ، فصار اختلافهم سببا لأن يجب عليهم في السبت احترامه وتعظيمه ، وإلا فالفضيلة الحقيقية ليوم الجمعة ، الذي هدى اللّه هذه الأمة إليه .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
فيبين لهم المحق من المبطل ، والمستحق للثواب ، ممن استحق العذاب . [ 125 ] أي : ليكن دعاؤك للخلق ، مسلمهم وكافرهم ، إلى سبيل ربك المستقيم ، المشتمل على العلم النافع ، والعمل الصالح .
بِالْحِكْمَةِ
أي : كل أحد على حسب حاله وفهمه ، وقبوله وانقياده . ومن الحكمة ، الدعوة بالعلم ، لا بالجهل ، والبدأة بالأهم فالأهم ، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم ، وبما يكون قبوله أتم ، وبالرفق واللين . فإن انقاد بالحكمة ، وإلا فينتقل معه إلى الدعوة بالموعظة الحسنة ، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب . إما بما تشتمل عليه الأوامر من المصالح وتعدادها ، والنواهي من المضار وتعدادها . وإما بذكر إكرام من قام بدين اللّه ، وإهانة من لم يقم به . وإما بذكر ما أعد اللّه للطائعين ، من الثواب العاجل والآجل ، وما أعد للعاصين من العقاب العاجل والآجل . فإن كان المدعو ، يرى أن ما هو عليه حق ، أو كان داعيه إلى الباطل ، فيجادل بالتي هي أحسن ، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا ونقلا . من ذلك ، الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها ، فإنه أقرب إلى حصول المقصود ، وأن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة ، تذهب بمقصودها ، ولا تحصل الفائدة منها ، بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها . وقوله :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
أي : أعلم بالسبب ، الذي أداه إلى الضلال ، ويعلم أعماله المترتبة على ضلالته ، وسيجازيه عليها .
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
علم أنهم يصلحون للهداية ، فهداهم ، ثم منّ عليهم فاجتباهم . [ 126 ] يقول تعالى - مبيحا للعدل ، ونادبا للفضل والإحسان -
وَإِنْ عاقَبْتُمْ
من أساء إليكم بالقول والفعل
فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
من غير زيادة منكم ، على ما أجراه معكم .
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ
عن المعاقبة ، وعفوتم عن جرمهم
لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
من الاستيفاء ، وما عند اللّه ، خير لكم ، وأحسن عاقبة كما قال تعالى :
فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
، ثم أمر رسوله بالصبر على دعوة الخلق إلى اللّه ، والاستعانة باللّه على ذلك ، وعدم الاتكال على النفس فقال : [ 127 ]
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
هو الذي يعينك عليه ويثبتك .
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
إذا دعوتهم ، فلم تر منهم قبولا لدعوتك ، فإن الحزن لا يجدي عليك شيئا .
وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ
أي شدة وحرج
مِمَّا يَمْكُرُونَ
فإن مكرهم عائد إليهم ، وأنت من المتقين المحسنين . [ 128 ] واللّه مع المتقين المحسنين ، بعونه ، وتوفيقه ، وتسديده ، وهم الّذين اتقوا الكفر والمعاصي ، وأحسنوا في عبادة اللّه ، بأن عبدوا اللّه ، كأنهم يرونه ، فإن لم يكونوا يرونه ، فإنه يراهم . والإحسان إلى الخلق ببذل النفع لهم من