تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
ومن الدواعي للزهد ، أن يقابل العبد لذات الدنيا وشهواتها بخيرات الآخرة . فإنه يجد من الفرق والتفاوت ، ما يدعوه إلى إيثار أعلى الأمرين . وليس الزهد الممدوح ، هو الانقطاع للعبادات القاصرة ، كالصلاة ، والصيام ، والذكر ونحوها . بل لا يكون العبد زاهدا ، زهدا صحيحا ، حتى يقوم بما يقدر عليه ، من الأوامر الشرعية ، الظاهرة والباطنة ومن الدعوة إلى اللّه وإلى دينه بالقول والفعل . فالزهد الحقيقي ، هو : الزهد فيما لا ينفع في الدين والدنيا ، والرغبة والسعي في كل ما ينفع .
وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا
على طاعة اللّه ، وعن معصيته ، وفطموا أنفسهم عن الشهوات الدنيوية ، المضرة بدينهم
أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
الحسنة بعشر أمثالها ، إلى سبعمائة ضعف ، إلى أضعاف كثيرة ، فإن اللّه لا يضيع أجر من أحسن عملا . [ 97 ] ولهذا ذكر جزاء العاملين في الدنيا والآخرة ، فقال :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فإن الإيمان شرط في صحة الأعمال الصالحة وقبولها ، بل لا تسمى أعمالا صالحة ، إلا بالإيمان ، والإيمان مقتض لها ، فإنه : التصديق الجازم ، المثمر لأعمال الجوارح من الواجبات والمستحبات . فمن جمع بين الإيمان والعمل الصالح
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
وذلك بطمأنينة قلبه ، وسكون نفسه ، وعدم التفاته لما يشوش عليه قلبه ، ويرزقه اللّه رزقا حلالا طيبا ، من حيث لا يحتسب .
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
في الآخرة ،
أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
من أصناف اللذات ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . فيؤتيه اللّه في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة . [ 98 ] أي : فإذا أردت القراءة لكتاب اللّه ، الذي هو أشرف الكتب وأجلها ، وفيه صلاح القلوب ، والعلوم الكثيرة ، فإن الشيطان أحرص ما يكون على العبد ، عند شروعه في الأمور الفاضلة ، فيسعى في صرفه عن مقاصدها ومعانيها . فالطريق إلى السلامة من شره الالتجاء إلى اللّه ، والاستعاذة من شره ، فيقول القارئ : « أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » متدبرا لمعناها ، معتمدا بقلبه على اللّه ، في صرفه عنه ، مجتهدا في دفع وسواسه وأفكاره الرديئة ، مجتهدا على السبب الأقوى في دفعه ، وهو : التّحلّي بحلية الإيمان والتوكل . [ 99 ] فإن الشيطان
لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ
أي : تسلط
عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ
وحده لا شريك له
يَتَوَكَّلُونَ
، فيدفع اللّه عن المؤمنين المتوكلين عليه ، شر الشيطان ، ولا يبقى له عليهم سبيل . [ 100 ]
إِنَّما سُلْطانُهُ
أي تسلطه
عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ
أي : يجعلونه لهم وليا . وذلك بتخليهم عن ولاية اللّه ، ودخولهم في طاعة الشيطان ، وانضمامهم لحزبه . فهم الذين جعلوا له ولاية على أنفسهم ، فأزّهم إلى المعاصي أزّا ، وقادهم إلى النار قودا . [ 101 ] يذكر تعالى أن المكذبين بهذا القرآن ، يتتبعون ما يرونه حجة لهم ، وهو أن اللّه تعالى هو الحاكم الحكيم ، الذي يشرع الأحكام ، ويبدل حكما مكان آخر ، لحكمته ورحمته ، فإذا رأوه كذلك ، قدحوا في الرسول ، وبما جاء به ، و
قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ
. قال اللّه تعالى :
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
فهم جهال ، لا علم لهم بربهم ولا