تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ
فيجازي كل عامل بعمله ، على حسب نيته ومقصده . [ 92 ]
وَلا تَكُونُوا
في نقضكم للعهود بأسوإ الأمثال وأقبحها وأدلها على صفة متعاطيها . وذلك
كَالَّتِي
تغزل غزلا قويا ، فإذا استحكم ، وتم ما أريد منه
نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ
فجعلته
أَنْكاثاً
فتعبت على الغزل ، ثم على النقض ، ولم تستفد سوى الخيبة والعناء ، وسفاهة العقل ، ونقص الرأي ، فكذلك من نقض ما عاهد عليه ، فهو ظالم جاهل سفيه ، ناقص الدين والمروءة . وقوله :
تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ
، أي : لا تنبغي هذه الحالة منكم ، تعقدون الأيمان المؤكدة ، وتنتظرون فيها الفرص ، فإذا كان العاقد لها ضعيفا ، غير قادر على الآخر ، أتمها ، لا لتعظيم العقد واليمين ، بل لعجزه . وإن كان قويا ، يرى مصلحته الدنيوية في نقضها ، نقضها غير مبال بعهد اللّه ويمينه . كل ذلك دورانا مع أهوية النفوس ، وتقديما لها على مراد اللّه منكم ، وعلى المروءة الإنسانية ، والأخلاق المرضية لأجل أن تكون أمة أكثر عددا وقوة من الأخرى . وهذا
إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ
امتحانا حيث قيض لعباده من أسباب المحن ما يمتحن به الصادق الوفي ، من الفاجر الشقي .
وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
فيجازي كلا بعمله ، ويخزي الغادر . [ 93 ] أي :
لَوْ شاءَ اللَّهُ
لجمع الناس على الهدى ، و
لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
. ولكنه تعالى المنفرد بالهداية والإضلال ، وهدايته وإضلاله ، من أفعاله التابعة لعلمه وحكمته . يعطي الهداية من يستحقها فضلا ، ويمنعها من لا يستحقها ، عدلا .
وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
من خير وشر ، فيجازيكم عليها ، أتم الجزاء ، وأعدله . [ 94 ] أي :
وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ
وعهودكم ومواثيقكم
دَخَلًا بَيْنَكُمْ
أي : تبعا لأهوائكم ، متى شئتم وفيتم بها ، ومتى شئتم نقضتموها . فإنكم إذا فعلتم ذلك ، تزل أقدامكم بعد ثبوتها على الصراط المستقيم .
وَتَذُوقُوا السُّوءَ
أي : العذاب الذي يسوؤكم ويحزنكم
بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
حيث ضللتم ، وأضللتم غيركم
وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
مضاعف . [ 95 ] يحذر تعالى عباده ، من نقض العهود ، والأيمان لأجل متاع الدنيا وحطامها فقال :
وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا
تنالونه بالنقض وعدم الوفاء .
إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ
من الثواب العاجل والآجل ، لمن آثر رضاه ، وأوفى بما عاهد عليه اللّه
هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
من حطام الدنيا الزائلة
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
. [ 96 ] فآثروا ما يبقى على ما يفنى ، فإن
ما عِنْدَكُمْ
ولو كثر جدا ، لا بد أن
يَنْفَدُ
ويفنى .
وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
ببقائه ، لا يفنى ولا يزول . فليس بعاقل ، من آثر الفاني الخسيس ، على الباقي النفيس ، وهذا كقوله تعالى :
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 16 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
( 17 )
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ
، وفي هذا ، الحث والترغيب على الزهد في الدنيا . خصوصا ، الزهد المتعين ، وهو الزهد فيما يكون ضررا على العبد ، ويوجب له الاشتغال عما أوجب اللّه عليه ، وتقديمه على حق اللّه ، فإن هذا الزهد واجب .
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 521 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي