تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
[ 98 ]
قالَ
مجيبا لطلبهم ، ومسرعا لإجابتهم :
سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
ورجائي به ، أن يغفر لكم ، ويرحمكم ، ويتغمدكم برحمته ، وقد قيل : إنه أخر الاستغفار لهم إلى وقت السحر الفاضل ، ليكون أتمّ للاستغفار ، وأقرب للإجابة . [ 99 ] أي :
فَلَمَّا
تجهز يعقوب وأولاده وأهلهم أجمعون ، وارتحلوا من بلادهم ، قاصدين الوصول إلى يوسف في مصر وسكناها ، فلما وصلوا إليه ، و
دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ
أي : ضمهما إليه ، واختصهما بقربه ، وأبدى لهما من البر والإحسان ، والتبجيل والإعظام شيئا عظيما ،
وَقالَ
لجميع أهله :
ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
من جميع المكاره والمخاوف ، فدخلوا في هذه الحال السارة ، وزال عنهم النصب ونكد المعيشة ، وحصل السرور والبهجة . [ 100 ]
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ
أي : على سرير الملك ، ومجلس العز ،
وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً
أي : أبوه ، وأمه ، وإخوته ، سجودا على وجه التعظيم والتبجيل والإكرام ،
وَقالَ
لما رأى هذه الحال ، ورأى سجودهم له :
يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ
حين رأى أحد عشر كوكبا ، والشمس والقمر له ساجدين ، فهذا وقوعها ، الذي آلت إليه ووصلت
قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا
فلم يجعلها أضغاث أحلام .
وَقَدْ أَحْسَنَ بِي
إحسانا جسيما
إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ
، وهذا من لطفه ، وحسن خطابه ، عليه السّلام ، حيث ذكر حاله في السجن ، ولم يذكر حاله في الجب ، لتمام عفوه عن إخوته ، وأنه لا يذكر ذلك الذنب ، وأن إتيانكم من البادية ، من إحسان اللّه . فلم يقل : جاء بكم من الجوع والنصب ، ولا قال : « أحسن بكم » بل قال :
أَحْسَنَ بِي
، جعل الإحسان ، عائدا إليه ، فتبارك من يختص برحمته من يشاء من عباده ، ويهب لهم من لدنه رحمة ، إنه هو الوهاب .
مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي
فلم يقل « نزع الشيطان إخوتي » بل كأن الذنب والجهل ، صدر من الطرفين ، فالحمد للّه ، الذي أخزى الشيطان ودحره ، وجمعنا بعد تلك الفرقة الشاقة .
إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ
يوصل بره وإحسانه إلى العبد ، من حيث لا يشعر ، ويوصله إلى المنازل الرفيعة من أمور يكرهها ،
إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ
الذي يعلم ظواهر الأمور وبواطنها ، وسرائر العباد وضمائرهم ،
الْحَكِيمُ
في وضعه الأشياء مواضعها ، وسوقه الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها . [ 101 ] لما أتم اللّه ليوسف ما أتم من التمكين في الأرض والملك ، وأقر عينه بأبويه وإخوته وبعد العلم العظيم الذي أعطاه اللّه إياه ، فقال مقرا بنعمة اللّه شاكرا لها داعيا بالثبات على الإسلام :
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ
وذلك أنه كان على خزائن الأرض وتدبيرها ووزيرا كبيرا للملك
وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
أي : من تأويل أحاديث الكتب المنزلة وتأويل الرؤيا وغير ذلك من العلم
فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً
أي : أدم علي الإسلام وثبتني عليه حتى تتوفاني عليه ، ولم يكن هذا دعاء باستعجال الموت ،
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
من الأنبياء الأبرار والأصفياء الأخيار .