تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
[ 109 ] ثم قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا
أي : لم نرسل ملائكة ولا غيرهم من أصناف الخلق ، فلأي شيء يستغرب قومك رسالتك ويزعمون أنه ليس عليهم فضل . فلك فيمن قبلك من المرسلين أسوة حسنة
نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى
أي : لا من البادية ، بل من أهل القرى ، الّذين هم أكمل عقولا ، وأصح آراء ، وليتبين أمرهم ، ويتضح شأنهم .
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
إذا لم يصدقوا لقولك ،
فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
كيف أهلكهم اللّه بتكذيبهم ، فاحذروا ، أن تقيموا على ما قاموا عليه ، فيصيبكم ما أصابهم ،
وَلَدارُ الْآخِرَةِ
أي : الجنة وما فيها ، من النعيم المقيم ،
خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
اللّه ، في امتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، فإن نعيم الدنيا منغص منكد ، منقطع . ونعيم الآخرة ، تام كامل ، لا يفنى أبدا ، بل هو على الدوام ، في تزايد وتواصل ، « عطاء غير مجذوذ »
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
أي : أفلا تكون لكم عقول ، تؤثر الذي هو خير ، على الأدنى . [ 110 ] يخبر تعالى : أنه يرسل الرسل الكرام ، فيكذبهم القوم المجرمون اللئام ، وأن اللّه تعالى يمهلهم ، ليرجعوا إلى الحق ، ولا يزال اللّه يمهلهم حتى إنه تصل الحال إلى غاية الشدة منهم على الرسل . حتى إن الرسل - على كمال يقينهم ، وشدة تصديقهم بوعد اللّه ووعيده - ربما أنه يخطر بقلوبهم ، نوع من الإياس ، ونوع من ضعف العلم والتصديق ، فإذا بلغ الأمر هذه الحال
جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ
وهم الرسل وأتباعهم ،
وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
أي : ولا يرد عذابنا ، عمن اجترم ، وتجرأ على اللّه
فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ
. [ 111 ]
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ
أي : قصص الأنبياء والرسل مع قومهم ،
عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ
أي : يعتبرون بها ، أهل الخير ، وأهل الشر ، وأن من فعل مثل فعلهم ، ناله ما نالهم ، من كرامة ، أو إهانة ، ويعتبرون بها أيضا ، ما للّه من صفات الكمال والحكمة العظيمة ، وأنه اللّه ، الذي لا تنبغي العبادة إلّا له ، وحده لا شريك له . وقوله :
ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى
أي : ما كان هذا القرآن ، الذي قص اللّه به عليكم من أنباء الغيب ما قص ، من الأحاديث المفتراة المختلقة ،
وَلكِنْ
كان
تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
من الكتب السابقة ، يوافقها ، ويشهد لها بالصحة ،
وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ
يحتاج إليه العباد ، من أصول الدين وفروعه ، ومن الأدلة والبراهين .
وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
فإنهم - بسبب ما يحصل لهم به من العلم بالحق وإيثاره - يحصل لهم الهدى ، وبما يحصل لهم من الثواب العاجل والآجل ، تحصل لهم الرحمة .

فصل

في ذكر شيء من العبر والفوائد التي اشتملت عليها هذه القصة العظيمة التي قال اللّه في أولها :
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ
وقال :
* لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ
( 7 ) وقال في آخرها :
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ
غير ما تقدم في مطاويها من الفوائد . فمن ذلك ، أن هذه القصة ، من أحسن القصص وأوضحها ، وأبينها ، لما فيها من أنواع التنقلات ، من حال إلى حال ، ومن محنة إلى منحة ، ومن محنة إلى منحة ومنّة ،