تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
الواقعة . فحينئذ تم ليوسف ما أراد من بقاء أخيه عنده ، على وجه لا يشعر به إخوته ، قال تعالى :
كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ
أي : يسّرنا له هذا الكيد ، الذي توصل به إلى أمر غير مذموم
ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ
لأنه ليس من دينه أن يتملك السارق ، وإنما له عندهم جزاء آخر ، فلو ردت الحكومة إلى دين الملك ، لم يتمكن يوسف من إبقاء أخيه عنده ، ولكنه جعل الحكم منهم ، ليتم له ما أراد . قال تعالى :
نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ
بالعلم النافع ، ومعرفة الطرق الموصلة إلى مقصدها ، كما رفعنا درجات يوسف ،
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
فكل عالم ، فوقه من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى علام الغيب والشهادة . فلما رأى إخوة يوسف ما رأوا
قالُوا إِنْ يَسْرِقْ
هذا الأخ ، فليس هذا غريبا عنه ،
فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ
يعنون : يوسف عليه السلام ، ومقصودهم تبرئة أنفسهم وأن هذا وأخاه قد يصدر منهم ما يصدر من السرقة ، وهما ليسا شقيقين لنا . وفي هذا من الغض عليهما ما فيه ، ولهذا : أسرها يوسف في نفسه
وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ
أي : لم يقابلهم على ما قالوه بما يكرهون ، بل كظم الغيظ ، وأسرّ الأمر في نفسه ، و
قالَ
في نفسه
أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً
حيث ذممتمونا بما أنتم على أشر منه ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ
منا ، من وصفنا بالسرقة ، يعلم اللّه أنا برآء منها . [ 78 - 79 ] ثم سلكوا معه ، مسلك التملق ، لعله يسمح لهم بأخيهم .
قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً
أي : وإنه لا يصبر عنه ، وسيشق عليه فراقه ،
فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
فأحسن إلينا وإلى أبينا بذلك .
قالَ
يوسف
مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ
أي : هذا ظلم منا ، لو أخذنا البريء ، بذنب من وجدنا متاعنا عنده ، ولم يقل « من سرق » كل هذا تحرز من الكذب ،
إِنَّا إِذاً
أي : أخذنا غير من وجد في رحله
لَظالِمُونَ
حيث وضعنا العقوبة في غير موضعها . [ 80 - 82 ] أي : فلما استيأس إخوة يوسف من يوسف أن يسمح لهم بأخيهم
خَلَصُوا نَجِيًّا
أي : اجتمعوا وحدهم ، ليس معهم غيرهم ، وجعلوا يتناجون فيما بينهم ،
قالَ كَبِيرُهُمْ أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ
في حفظه ، وأنكم تأتون به إلا أن يحاط بكم
وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ
، فاجتمع عليكم الأمران ، تفريطكم السابق في يوسف ، وعدم إتيانكم بأخيه باللاحق ، فليس لي وجه أواجه به أبي .
فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ
أي : سأقيم في هذه الأرض ، ولا أزال بها
حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي
أي : يقدر لي المجيء وحدي ، أو مع أخي
وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ
. ثم وصاهم بما يقولون لأبيهم فقال :
ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ
أي : وأخذ بسرقته ، ولم يحصل لنا أن نأتيك به ، مع ما بذلنا من الجهد في ذلك . والحال ، أنا ما شهدنا بشيء لم نعلمه ، وإنما شهدنا بما علمنا ، لأننا رأينا الصواع استخرج من رحله ،
وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ
أي : لو كنا نعلم الغيب ، لما حرصنا ، وبذلنا المجهود في ذهابه معنا ، ولما أعطيناك عهودنا ومواثيقنا ، فلم نظن أن الأمر ، سيبلغ ما بلغ .
وَسْئَلِ
إن شككت في قولنا
الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها
فقد اطلعوا على ما أخبرناك به