تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
أي : اعتمدت على اللّه ، لا على ما وصيتكم به من السبب ،
وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ
فإن بالتوكل ، يحصل كل مطلوب ، ويندفع كل مرهوب . [ 68 ]
وَلَمَّا
ذهبوا و
دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ
ذلك الفعل
يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها
وهو موجب الشفقة ، والمحبة للأولاد ، فحصل له في ذلك ، نوع طمأنينة ، وقضاء لما في خاطره . وليس هذا قصورا في علمه ، فإنه من الرسل الكرام ، والعلماء الربانيين ، ولهذا قال عنه :
وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ
أي : لصاحب علم عظيم
لِما عَلَّمْناهُ
أي : لتعليمنا إياه ، لا بحوله وقوته أدركه ، بل بفضل اللّه وتعليمه ،
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
عواقب الأمور ، ودقائق الأشياء وكذلك أهل العلم منهم ، يخفى عليهم من العلم وأحكامه ، ولوازمه شيء كثير . [ 69 ] أي : لما دخل إخوة يوسف على يوسف
آوى إِلَيْهِ أَخاهُ
أي : شقيقه وهو « بنيامين » الذي أمرهم بالإتيان به ، وضمه إليه ، واختصه من بين إخوته ، وأخبره بحقيقة الحال ،
قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ
أي : لا تحزن
بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
فإن العاقبة خير لنا . ثم أخبره بما يريد أن يصنع ويتحيل لبقائه عنده إلى أن ينتهي الأمر . [ 70 - 71 ]
فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ
أي : كال لكل واحد من إخوته ، ومن جملتهم أخوه هذا ،
جَعَلَ السِّقايَةَ
وهو : الإناء الذي يشرب به ، ويكال فيه
فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ
أوعوا متاعهم ، فلما انطلقوا ذاهبين ،
أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ
، ولعل هذا المؤذن ، لم يعلم بحقيقة الحال .
قالُوا
أي : إخوة يوسف
وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ
لإبعاد التهمة . فإن السارق ، ليس له همّ إلا البعد والانطلاق عمن سرق منه ، لتسلم له سرقته ، وهؤلاء جاءوا مقبلين إليهم ، ليس لهم همّ إلا إزالة التهمة ، التي رموا بها عنهم ، فقالوا في هذه الحال :
ما ذا تَفْقِدُونَ
ولم يقولوا : « ما الذي سرقنا » لجزمهم بأنهم برآء من السرقة .
قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ
أي : أجرة له ، على وجدانه
وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ
أي : كفيل ، وهذا يقوله المتفقد . [ 73 ]
قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ
بجميع أنواع المعاصي ،
وَما كُنَّا سارِقِينَ
فإن السرقة ، من أكبر أنواع الفساد في الأرض ، وإنما أقسموا على علمهم ، أنهم ليسوا مفسدين ولا سارقين ، لأنهم عرفوا أنهم سبروا من أحوالهم ما يدلهم على عفتهم وورعهم ، وأن هذا الأمر لا يقع منهم بعلم من اتهموهم ، وهذا أبلغ في نفي التهمة ، من أن لو قالوا : « تاللّه لم نفسد في الأرض ولم نسرق » . [ 74 - 75 ]
قالُوا فَما جَزاؤُهُ
أي : جزاء هذا الفعل
إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ
بأن كان معكم ؟
قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ
أي الموجود في رحله
جَزاؤُهُ
بأن يتملكه صاحب السرقة ، وكان هذا في دينهم أن السارق إذا ثبتت عليه السرقة ، كان ملكا لصاحب المال المسروق ، ولهذا قالوا :
كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ
. [ 76 - 77 ]
فَبَدَأَ
المفتش
بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ
وذلك لتزول الريبة التي يظن أنها فعلت بالقصد ،
ثُمَّ
لما لم يجد في أوعيتهم شيئا
اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ
ولم يقل « وجدها ، أو سرقها أخوه » مراعاة للحقيقة