تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
في الضيافة والإكرام . ثم رهبهم بعدم الإتيان به ، فقال :
فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ
( 60 ) ، وذلك ، لعلمه باضطرارهم إلى الإتيان إليه ، وأن ذلك يحملهم على الإتيان به . [ 61 - 62 ]
قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ
دل هذا على أن يعقوب عليه السّلام ، كان مولعا به ، لا يصبر عنه ، وكان يتسلى به بعد يوسف ، فلذلك احتاج إلى مراودة في بعثه معهم
وَإِنَّا لَفاعِلُونَ
لما أمرتنا به ،
وَقالَ
يوسف
لِفِتْيانِهِ
الذين في خدمته :
اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ
أي : الثمن الذي اشتروا به من الميرة .
فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها
أي : بضاعتهم إذا رأوها بعد ذلك ، في رحالهم ،
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
لا لأجل التحرج من أخذها على ما قيل ، والظاهر ، أنه أراد أن يرغبهم في إحسانه إليهم ، بالكيل لهم كيلا وافيا ثم إعادة بضاعتهم إليهم ، على وجه لا يحسون بها ، ولا يشعرون لما يأتي ، فإن الإحسان ، يوجب للإنسان ، تمام الوفاء للمحسن . [ 63 - 65 ]
فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ
أي : إن لم ترسل معنا أخانا ،
فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ
أي : ليكون ذلك سببا لكيلنا ، ثم التزموا له بحفظه فقالوا :
وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
من أن يعرض له ما يكره .
قالَ
لهم يعقوب عليه السّلام :
هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ
، أي : تقدم منكم التزام أكثر من هذا ، في حفظ يوسف ، ومع هذا ، فلم تفوا بما عقدتم من التأكيد ، فلا أثق بالتزامكم وحفظكم ، وإنما أثق باللّه تعالى .
فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
أي : يعلم حالي ، وأرجو أن يرحمني ، فيحفظه ويرده عليّ ، وكأنه في هذا الكلام ، قد لان لإرساله معهم . ثم إنهم
لَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ
، هذا دليل ، على أنه قد كان معلوما عندهم ، أن يوسف قد ردها عليهم بالقصد ، وأنه أراد أن يملكهم إياها ،
قالُوا
لأبيهم - ترغيبا في إرسال أخيهم معهم - :
يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ
أي : أي شيء نطلب بعد هذا الإكرام الجميل ، حيث وفّى لنا الكيل ، ورد علينا بضاعتنا ، على الوجه الحسن ، المتضمن للإخلاص ، ومكارم الأخلاق ؟
هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا
أي : إذا ذهبنا بأخينا ، صار سببا لكيله لنا ، فنمير أهلنا ، ونأتي لهم ، بما هم مضطرون إليه من القوت ،
وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ
بإرساله معنا ، فإنه يكيل لكل واحد حمل بعير ،
ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ
أي : سهل ، لا ينالك منه ضرر ، لأن المدة لا تطول ، والمصلحة قد تبينت . [ 66 - 67 ]
قالَ
لهم يعقوب :
لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ
أي : عهدا ثقيلا ، وتحلفون باللّه
لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ
أي : إلا أن يأتيكم أمر ، لا قبل لكم به ، ولا تقدرون دفعه ،
فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ
على ما قال وأراد
قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ
أي : تكفينا شهادته علينا ، وحفظه وكفالته ، ثم لما أرسله معهم ، وصاهم ، إذا هم قدموا مصر ، أن
لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ
وذلك لأنه خاف عليهم العين ، لكثرتهم وبهاء منظرهم ، لكونهم أبناء رجل واحد ، وهذا سبب .
وَ
إلا
ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
فالمقدر ، لا بد أن يكون ،
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ
أي : القضاء قضاؤه ، والأمر أمره ، فما قضاه وحكم به ، لا بد أن يقع ،
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 462 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي