تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
التقادير المناسبة ، أن الملك الذي ترجع إليه أمور الرعية هو الذي رآها ، لارتباط مصالحها به . وذلك أنه رأى رؤيا هالته ، فجمع علماء قومه ، وذوي الرأي منهم وقال :
إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ
أي : سبع من البقرات
عِجافٌ
، وهذا من العجب ، أن السبع العجاف الهزيلات ، اللاتي سقطت قوتهن ، يأكلن السبع السمان ، التي كنّ نهاية في القوة .
وَ
رأيت
سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ
أي : وسبع سنبلات أخر
يابِساتٍ
،
يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ
لأن تعبير الجميع واحد ، وتأويلهن شيء واحد ،
إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ
فتحيروا ، ولم يعرفوا لها وجها .
قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ
أي : أحلام لا حاصل لها ، ولا لها تأويل . وهذا جزم منهم ، بما لا يعلمون ، وتعذر منهم ، بما ليس بعذر ، ثم قالوا :
وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ
أي : لا نعبر إلا الرؤيا ، وأما الأحلام ، التي هي من الشيطان ، أو من حديث النفس ، فإنا لا نعبرها . فجمعوا بين الجهل والجزم ، بأنها أضغاث أحلام ، والإعجاب بالنفس ، بحيث إنهم لم يقولوا : لا نعلم تأويلها ، وهذا من الأمور ، التي لا تنبغي لأهل الدين والحجا . وهذا أيضا ، من لطف اللّه ، بيوسف عليه السّلام . فإنه لو عبرها ابتداء - قبل أن يعرضها على الملأ من قومه وعلمائهم ، فيعجزوا عنها - لم يكن لها ذلك الموقع ، ولكن لما عرضها عليهم ، فعجزوا عن الجواب ، وكان الملك مهتما لها ، غاية الاهتمام ، فعبرها يوسف - وقعت عندهم موقعا عظيما . وهذا نظير إظهار اللّه فضل آدم على الملائكة ، بالعلم ، بعد أن سألهم ، فلم يعلموا . ثم سأل آدم ، فعلمهم أسماء كل شيء ، فحصل بذلك ، زيادة فضله . وكما يظهر فضل أفضل خلقه ، محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في القيامة ، أن يلهم اللّه الخلق ، أن يتشفعوا بآدم ، ثم بنوح ، ثم إبراهيم ، ثم موسى ، ثم عيسى عليهم السّلام ، فيعتذرون عنها . ثم يأتون محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فيقول : « أنا لها أنا لها » ، فيشفع في جميع الخلق ، وينال ذلك المقام المحمود ، الذي يغبطه به الأولون والآخرون . فسبحان من خفيت ألطافه ، ودقّت في إيصاله البر والإحسان ، إلى خواص أصفيائه ، وأوليائه .
وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما
أي : من الفتيين ، وهو : الذي رأى أنه يعصر خمرا ، وهو الذي أوصاه يوسف ، أن يذكره عند ربه
وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ
أي : وتذكر يوسف ، وما جرى له في تعبيره لرؤياهما ، وما وصاه به ، وعلم أنه كفيل بتعبير هذه الرؤيا بعد مدة ، من السنين فقال :
أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ
إلى يوسف لأسأله عنها . فأرسلوه ، فجاء إليه ، ولم يعنفه يوسف على نسيانه ، بل استمع ما يسأله عنه ، وأجابه عن ذلك فقال :
يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ
أي : كثير الصدق في أقواله وأفعاله ،
أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ
فإنهم متشوفون لتعبيرها ، وقد أهمتهم . فعبر يوسف ، السبع البقرات السمان ، والسبع السنبلات الخضر ، بأنهن سبع سنين مخصبات ، والسبع البقرات العجاف ، والسبع السنبلات اليابسات ، بأنهن سنين مجدبات . ولعل وجه ذلك - واللّه أعلم - أن الخصب والجدب لما كان الحرث مبنيا عليه ، وأنه إذا حصل الخصب ، قويت الزروع والحروث ، وحسن منظرها ، وكثرت غلالها ، والجدب بالعكس من ذلك . وكانت البقر ، هي التي تحرث عليها الأرض ، وتسقى عليها