تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
يوسف ، حين أكله الذئب ، فلم يصدقهم أبوهم بذلك ، و
قالَ
:
بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً
أي : زينت لكم أنفسكم أمرا قبيحا في التفريق بيني وبينه ، لأنه رأى من القرائن والأحوال ، ومن رؤيا يوسف ، التي قصها عليه ، ما دله على ما قال .
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ
أي : أما أنا ، فوظيفتي سأحرص على القيام بها ، وهي أني أصبر على هذه المحنة ، صبرا جميلا ، سالما من السخط والتّشكّي إلى الخلق ، وأستعين اللّه على ذلك ، لا على حولي وقوتي . فوعد من نفسه هذا الأمر وشكى إلى خالقه في قوله :
إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
لأن الشكوى إلى الخالق ، لا تنافي الصبر الجميل ، لأن النبي ، إذا وعد وفى . [ 19 - 20 ] أي : مكث يوسف في الجب ، ما مكث ، حتى
جاءَتْ سَيَّارَةٌ
أي : قافلة تريد مصر ،
فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ
أي : فرطهم ومقدمهم ، الذي يعس لهم المياه ، ويسبرها ويستعد لهم بتهيئة الحياض ونحو ذلك ،
فَأَدْلى
ذلك الوارد
دَلْوَهُ
فتعلق فيه يوسف عليه السلام ، وخرج .
قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ
أي : استبشر وقال : هذا غلام نفيس ،
وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً
وكان إخوته قريبا منه ، فاشتراه السيارة منهم ،
بِثَمَنٍ بَخْسٍ
أي : قليل جدا ، فسره بقوله :
دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ
. لأنه لم يكن لهم قصد ، إلا تغييبه ، وإبعاده عن أبيه ، ولم يكن لهم قصد في أخذ ثمنه . والمعنى في هذا : أن السيارة ، لما وجدوه ، عزموا أن يسرّوا أمره ، ويجعلوه من جملة بضائعهم ، التي معهم ، حتى جاءهم إخوته ، فزعموا أنه عبد أبق منهم ، فاشتروه منهم ، بذلك الثمن ، واستوثقوا منهم فيه ، لئلا يهرب ، واللّه أعلم . [ 21 ] أي لما ذهب به السيارة إلى مصر ، وباعوه بها ، فاشتراه عزيز مصر . فلما اشتراه ، أعجب به ، ووصى عليه امرأته وقال :
أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً
أي : إما أن ينفعنا كنفع العبيد ، بأنواع الخدم ، وإما أن نستمتع فيه ، استمتاعنا بأولادنا ، ولعل ذلك أنه لم يكن لهما ولد ،
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ
أي : كما يسرنا له أن يشتريه عزيز مصر ، ويكرمه هذا الإكرام ، جعلنا هذا ، مقدمة لتمكينه في الأرض ، من هذا الطريق .
وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
إذا بقي لا شغل له ولا همّ سوى العلم صار ذلك من أسباب تعلمه علما كثيرا ، من علم الأحكام ، وعلم التعبير ، وغير ذلك ،
وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ
أي : أمره تعالى نافذ ، لا يبطله مبطل ، ولا يغلبه مغالب ،
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
. فلذلك يجري منهم ، ويصدر ، في مغالبة أحكام اللّه القدرية ، وهم أعجز ، وأضعف من ذلك . [ 22 - 29 ] أي :
وَلَمَّا بَلَغَ
يوسف
أَشُدَّهُ
أي : كمال قوته المعنوية والحسية ، وصلح لأن يتحمل الأحمال الثقيلة ، من النبوة ، والرسالة ،
آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً
أي : جعلناه نبيا رسولا ، وعالما ربانيا ،
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
في عبادة الخالق ببذل الجهد والنصح فيها ، وإلى عباد اللّه ، ببذل النفع والإحسان إليهم ، نؤتيهم من جملة الجزاء على إحسانهم ، علما نافعا . ودل هذا ، على أن يوسف في مقام الإحسان ، فأعطاه اللّه الحكم بين الناس ، والعلم الكثير والنبوة .