تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
مُفْسِدِينَ
فإن الاستمرار على المعاصي ، يفسد الأديان ، والعقائد ، والدين ، والدنيا ، ويهلك الحرث والنسل . [ 86 ]
بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ
أي : يكفيكم ما أبقى اللّه لكم من الخير ، وما هو لكم ، فلا تطمعوا في أمر لكم عنه غنية ، وهو ضار لكم جدا .
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
فاعملوا بمقتضى الإيمان ،
وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
أي : لست بحافظ لأعمالكم ، ووكيل عليها ، وإنما الذي يحفظها اللّه تعالى ، وأما أنا فأبلغكم ما أرسلت به . [ 87 ]
قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا
أي : قالوا ذلك على وجه التهكم بنبيهم ، والاستبعاد لإجابتهم له . ومعنى كلامهم : أنه لا موجب لنهيك لنا ، إلا أنك تصلي للّه ، وتتعبد له ، فإن كنت كذلك ، أفيوجب لنا أن نترك ما يعبد آباؤنا ، لقول ليس عليه دليل ، إلا أنه موافق لك ، فكيف نتبعك ، ونترك آباءنا الأقدمين ، أولي العقول والألباب ؟ وكذلك لا يوجب قولك لنا :
أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا
ما قلت لنا ، من وفاء الكيل ، والميزان ، وأداء الحقوق الواجبة فيها ، بل لا نزال نفعل فيها ما شئنا ، لأنها أموالنا ، فليس لك فيها تصرف . ولهذا قالوا في تهكمهم :
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
أي : إنك أنت الذي ، الحلم والوقار لك خلق ، والرشد لك سجية ، فلا يصدر عنك إلا رشد ، ولا تأمر إلا برشد ، ولا تنهى إلا عن غي ، أي : ليس الأمر كذلك . وقصدهم ، أنه موصوف بعكس هذين الوصفين : بالسفه والغواية . أي : أن المعنى : كيف تكون أنت الحليم الرشيد ، وآباؤنا هم السفهاء الغاوين ؟ وهذا القول الذي أخرجوه بصيغة التهكم ، وأن الأمر بعكسه ، ليس كما ظنوه ، بل الأمر كما قالوه . إن صلاته تأمره أن ينهاهم ، عما كان يعبد آباؤهم الضالون ، وأن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون ، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وأي فحشاء ومنكر ، أكبر من عبادة غير اللّه ، ومن منع حقوق عباد اللّه ، أو سرقتها ، بالمكاييل ، والموازين ، وهو عليه الصلاة والسلام الحليم الرشيد . [ 88 ]
قالَ
لهم شعيب :
يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي
أي : يقين وطمأنينة في صحة ما جئت به ،
وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً
أي : أعطاني اللّه من أصناف المال ما أعطاني .
وَ
أنا
ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
فلست أريد أن أنهاكم عن البخس في المكيال ، والميزان ، وأفعله أنا ، حتى تتطرق إليّ التهمة في ذلك . بل ما أنهاكم عن أمر ، إلا وأنا أول مبتدر لتركه .
إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ
أي : ليس لي من المقاصد إلا أن تصلح أحوالكم ، وتستقيم منافعكم ، وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي ، شيء بحسب استطاعتي . ولما كان هذا فيه نوع تزكية للنفس ، دفع هذا بقوله :
وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ
أي : ما يحصل لي من التوفيق لفعل الخير والانفكاك عن الشر إلا باللّه تعالى ، لا بحولي ولا بقوتي .
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
أي : اعتمدت في أموري ، ووثقت في كفايته ،
وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
في أداء ما أمرني به من أنواع العبادات ، وفي هذا التقرب إليه بسائر أفعال الخيرات . وبهذين الأمرين تستقيم أحوال العبد ، وهما الاستعانة بربه ، والإنابة إليه ، كما قال تعالى :
فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ
وقال :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
( 5 ) .