تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
جميعا لقتال عدوهم ، فإنه يحصل عليهم المشقة بذلك ، ويفوت به كثير من المصالح الأخرى ،
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ
أي : من البلدان ، والقبائل ، والأفخاذ
طائِفَةٌ
تحصل بها الكفاية والمقصود لكان أولى . ثمّ نبه على أن في إقامة المقيمين منهم ، وعدم خروجهم مصالح لو خرجوا لفاتتهم ، فقال :
لِيَتَفَقَّهُوا
أي : القاعدون
فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ
أي : ليتعلموا العلم الشرعي ، ويعلموا معانيه ، ويفقهوا أسراره ، وليعلموا غيرهم ، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم . ففي هذا فضيلة العلم ، خصوصا الفقه في الدين ، وأنه أهم الأمور ، وأن من تعلم علما ، فعليه نشره وبثه في العباد ، ونصيحتهم فيه فإن انتشار العلم عن العالم ، من بركته وأجره الذي ينمى . وأما اقتصار العالم على نفسه ، وعدم دعوته إلى سبيل اللّه ، بالحكمة ، والموعظة الحسنة ، وترك تعليم الجهال ما لا يعلمون ، فأي منفعة حصلت للمسلمين منه ؟ وأي نتيجة نتجت من علمه ؟ وغايته أن يموت ، فيموت علمه وثمرته ، وهذا غاية الحرمان ، لمن آتاه اللّه علما ومنحه فهما . وفي هذه الآية أيضا دليل ، وإرشاد ، وتنبيه لطيف ، لفائدة مهمة ، وهي : أن المسلمين ينبغي لهم ، أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة ، من يقوم بها ، ويوفر وقته عليها ، ويجتهد فيها ، ولا يلتفت إلى غيرها ، لتقوم مصالحهم ، وتتم منافعهم ، ولتكون وجهة جميعهم ، ونهاية ما يقصدون قصدا واحدا ، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم ، ولو تفرقت الطرق ، وتعددت المشارب ، فالأعمال متباينة ، والقصد واحد ، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور . [ 123 ] وهذا أيضا إرشاد آخر ، بعد ما أرشدهم إلى التدبير فيمن يباشر القتال ، أرشدهم إلى أنهم يبدءون بالأقرب فالأقرب ، من الكفار ، والغلظة عليهم ، والشدة في القتال ، والشجاعة والثبات .
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
أي : وليكن لديكم علم ، أن المعونة من اللّه ، تنزل بحسب التقوى ، فلازموا على تقوى اللّه ، يعنكم وينصركم على عدوكم . وهذا العموم في قوله :
قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ
مخصوص بما إذا كانت المصلحة في قتال غير الّذين يلوننا ، وأنواع المصالح كثيرة جدا . [ 124 ] يقول تعالى : مبينا حال المنافقين ، وحال المؤمنين عند نزول القرآن ، وتفاوت ما بين الفريقين فقال :
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ
فيها الأمر ، والنهي ، والخبر عن نفسه الكريمة ، وعن الأمور الغائبة ، والحث على الجهاد .
فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً
أي : حصل الاستفهام لمن حصل له الإيمان بها ، من الطائفتين . [ 125 - 126 ] قال تعالى - مبينا الحال الواقعة - :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً
بالعلم بها ، وفهمها ، واعتقادها ، والعمل بها ، والرغبة في فعل الخير ، والانكفاف عن فعل الشر .
وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
أي : يبشر بعضهم بعضا ، بما منّ اللّه عليهم من آياته ، والتوفيق لفهمها والعمل بها . وهذا دال على انشراح صدورهم لآيات اللّه ، وطمأنينة قلوبهم ، وسرعة انقيادهم ، لما تحثهم عليه .
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
أي : شك ونفاق
فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ
أي : مرضا إلى مرضهم ، وشكا إلى شكهم ، من حيث أنهم كفروا بها ، وعاندوها ، وأعرضوا