تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
والرضا من اللّه الذي هو أكبر من نعيم الجنات . وإذا أردت أن تعرف مقدار الصفقة ، فانظر إلى المشتري من هو ؟ وهو اللّه جل جلاله ، وإلى العوض ، وهو أكبر الأعواض وأجلها ، جنات النعيم ، وإلى الثمن المبذول فيها ، وهو : النفس ، والمال ، الذي هو أحب الأشياء للإنسان . وإلى من جرى على يديه عقد هذا التبايع ، وهو أشرف الرسل ، وبأي الكتب رقم ، في كتب اللّه الكبار المنزلة ، على أفضل الخلق . [ 112 ] كأنه قيل : من هم المؤمنون الّذين لهم البشارة من اللّه بدخول الجنات ، ونيل الكرامات ؟ فقال : هم
التَّائِبُونَ
أي : الملازمون للتوبة في جميع الأوقات عن جميع السيئات .
الْعابِدُونَ
أي : المتصفون بالعبودية للّه ، والاستمرار على طاعته من أداء الواجبات والمستحبات في كل وقت ، فبذلك يكون العبد من العابدين .
الْحامِدُونَ
للّه في السراء والضراء ، واليسر والعسر ، المعترفون بما للّه عليهم من النعم الظاهرة والباطنة ، المثنون على اللّه بذكرها وبذكره في آناء الليل ، وآناء النهار .
السَّائِحُونَ
فسرت السياحة بالصيام ، أو السياحة في طلب العلم ، وفسرت بسياحة القلب ، في معرفة اللّه ومحبته ، والإنابة إليه على الدوام ، والصحيح أن المراد بالسياحة : السفر في القربات ، كالحج ، والعمرة ، والجهاد ، وطلب العلم ، وصلة الأقارب ، ونحو ذلك .
الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ
أي : المكثرون من الصلاة ، المشتملة على الركوع والسجود .
الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
ويدخل فيه جميع الواجبات والمستحبات .
وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وهي جميع ما نهى اللّه ورسوله عنه .
وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ
بتعلمهم حدود ما أنزل اللّه على رسوله ، وما يدخل في الأوامر ، والنواهي ، والأحكام ، وما لا يدخل ، الملازمون لها فعلا وتركا .
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
لم يذكر ما يبشر لهم به ، ليعم جميع ما رتب على الإيمان ، من ثواب الدنيا ، والدين والآخرة ، فالبشارة متناولة لكل مؤمن . وأما مقدارها وصفتها فإنها بحسب حال المؤمنين ، وإيمانهم ، قوة ، وضعفا ، وعملا بمقتضاه . [ 113 - 114 ] يعني : ما يليق ولا يحسن بالنبي والمؤمنين به
أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
، أي : لمن كفر به ، وعبد معه غيره
وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
، فإن الاستغفار لهم في هذه الحال ، غلط غير مفيد ، فلا يليق بالنبي والمؤمنين ، لأنهم إذا ماتوا على الشرك ، أو علم أنهم يموتون عليه ، فقد حقت عليهم كلمة العذاب ، ووجب عليهم الخلود في النار ، ولم تنفع فيهم شفاعة الشافعين ، ولا استغفار المستغفرين . وأيضا ، فإن النبي والّذين آمنوا معه ، عليهم أن يوافقوا ربهم ، في رضاه وغضبه ، ويوالوا من والاه اللّه ، ويعادوا من عاداه اللّه ، والاستغفار منهم ، لمن تبين أنه من أصحاب النار ، مناف لذلك ، مناقض له . ولئن وجد الاستغفار من خليل الرحمن إبراهيم عليه السّلام لأبيه فإنه
عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ
في قوله :
سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا
وذلك قبل أن يعلم عاقبة أبيه . فلما تبين لإبراهيم أن أباه عدو للّه ، سيموت على الكفر ، ولم ينفع فيه الوعظ والتذكير
تَبَرَّأَ مِنْهُ
موافقة لربه وتأدبا معه .
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ
أي : رجّاع إلى اللّه في جميع الأمور ، كثير الذكر ، والدعاء ، والاستغفار ، والإنابة إلى ربه .
حَلِيمٌ
أي : ذو رحمة بالخلق ، وصفح عما يصدر منهم إليه من الزلات ، لا يستفزه