تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
والنوازل المزعجة . ومنها : أن العبادة الشاقة على النفس ، لها فضل ومزية ، ليست لغيرها ، وكلما عظمت المشقة ، عظم الأجر . ومنها : أن توبة اللّه على عبده ، بحسب ندمه وأسفه الشديد ، وأن من لا يبالي بالذنب ، ولا يحرج إذا فعله ، فإن توبته مدخولة ، وإن زعم أنها مقبولة . ومنها : أن علامة الخير وزوال الشدة ، إذا تعلق القلب باللّه تعالى ، تعلقا تاما ، وانقطع عن المخلوقين . ومنها : أن من لطف اللّه بالثلاثة ، أن وسمهم بوسم ، ليس بعار عليهم فقال :
أَخْلَفُوا
إشارة إلى أن المؤمنين خلفوهم ، أو خلفوا عن من بتّ في قبول عذرهم ، أو في رده ، وأنهم لم يكن تخلفهم ، رغبة عن الخير ، ولهذا لم يقل : « تخلفوا » . ومنها : أنّ اللّه تعالى منّ عليهم بالصدق ، ولهذا أمر بالاقتداء بهم فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
الآية . [ 119 ] أي :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
باللّه ، وبما أمر اللّه بالإيمان به ، قوموا بما يقتضيه الإيمان ، وهو القيام بتقوى اللّه ، باجتناب ما نهى اللّه عنه ، والبعد عنه .
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
في أقوالهم ، وأفعالهم وأحوالهم ، الّذين أقوالهم صدق ، وأعمالهم ، وأحوالهم لا تكون إلا صدقا خالية من الكسل والفتور ، سالمة من المقاصد السيئة ، مشتملة على الإخلاص والنية الصالحة ، فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنّة . قال تعالى :
هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ
الآية . [ 120 ] يقول تعالى - حاثا لأهل المدينة المنورة من المهاجرين ، والأنصار ، ومن حولها من الأعراب ، الّذين أسلموا ، فحسن إسلامهم - :
ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
أي : ما ينبغي لهم ذلك ، ولا يليق بأحوالهم .
وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ
في بقائها وراحتها ، وسكونها
عَنْ نَفْسِهِ
الكريمة الزكية ، بل النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فعلى كل مسلم أن يفدي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بنفسه ، ويقدمه عليها . فعلامة تعظيم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ومحبته والإيمان التام به ، أن لا يتخلفوا عنه ، ثمّ ذكر الثواب الحامل على الخروج فقال :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ
أي : المجاهدين في سبيل اللّه
لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ
أي : تعب ومشقة
وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أي : مجاعة .
وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ
من الخوض لديارهم والاستيلاء على أوطانهم ،
وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا
كالظفر بجيش ، أو سرية ، أو الغنيمة لمال
إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ
لأن هذه آثار ناشئة عن أعمالهم .
إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
الّذين أحسنوا في مبادرتهم إلى أمر اللّه ، وقيامهم بما عليهم من حقه ، وحق خلقه ، فهذه الأعمال ، آثار من آثار عملهم . [ 121 ] ثمّ قال :
وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً
في ذهابهم إلى عدوهم
إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
. ومن ذلك ، هذه الأعمال ، إذا أخلصوا فيها للّه ، ونصحوا فيها . ففي هذه الآيات ، أشد ترغيب ، وتشويق للنفوس إلى الخروج إلى الجهاد في سبيل اللّه ، والاحتساب لما يصيبهم فيه من المشقات ، وأن ذلك لهم رفعة درجات وأن الآثار المترتبة على عمل العبد له ، فيها أجر كبير . [ 122 ] يقول تعالى : - منبها لعباده المؤمنين على ما ينبغي لهم -
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً
أي :
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 404 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي