تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
الدالة آياته على الحقائق الإيمانية ، والأوامر والنواهي الشرعية ، الذي على جميع الأمة تلقيه بالرضا والقبول والانقياد . ومع هذا ، فأعرض أكثرهم فهم لا يعلمون ، فتعجبوا
أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ
عذاب اللّه ، وخوفهم نقم اللّه ، وذكرهم بآيات اللّه .
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا
إيمانا صادقا
أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ
أي : لهم جزاء موفور ، وثواب مدخور عند ربهم ، بما قدموه ، وأسلفوه من الأعمال الصالحة الصادقة . فتعجب الكافرون من هذا الرجل العظيم تعجبا حملهم على الكفر به ،
قالَ الْكافِرُونَ
عنه :
إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ
أي : بيّن السحر ، لا يخفى - بزعمهم - على أحد ، وهذا من سفههم وعنادهم ، فإنهم تعجبوا من أمر ، ليس مما يتعجب منه ، ويستغرب ، وإنما يتعجب من جهالتهم وعدم معرفتهم بمصالحهم . كيف لم يؤمنوا بهذا الرسول الكريم ، الذي بعثه اللّه من أنفسهم ، يعرفونه حق المعرفة ، فردوا دعوته ، وحرصوا على إبطال دينه ، واللّه متمم نوره ، ولو كره الكافرون . [ 3 ] يقول تعالى - مبينا لربوبيته ، وإلهيته ، وعظمته - :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
مع أنه قادر على خلقها في لحظة واحدة . ولكن لما له في ذلك من الحكمة الإلهية ، ولأنه رفيق في أفعاله . ومن جملة حكمته فيها ، أنه خلقها بالحق وللحق ، ليعرف بأسمائه وصفاته ويفرد بالعبادة .
ثُمَّ
بعد خلق السماوات والأرض
اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
استواء يليق بعظمته .
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
في العالم العلوي ، والسفلي ، من الإماتة والإحياء ، وإنزال الأرزاق ، ومداولة الأيام بين الناس ، وكشف الضر عن المضرورين ، وإجابة سؤال السائلين . فأنواع التدابير ، نازلة منه ، وصاعدة إليه ، وجميع الخلق ، مذعنون لعزته ، خاضعون لعظمته وسلطانه .
ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ
فلا يقدم أحد منهم على الشفاعة ، ولو كان أفضل الخلق ، حتى يأذن اللّه ، ولا يأذن ، إلا لمن ارتضى ، ولا يرتضي إلا أهل الإخلاص والتوحيد له .
ذلِكُمُ
الذي هذا شأنه
اللَّهُ رَبُّكُمْ
أي : هو اللّه الذي له وصف الإلهية الجامعة لصفات الكمال ، ووصف الربوبية الجامعة لصفات الأفعال .
فَاعْبُدُوهُ
أي : أفردوه بجميع ما تقدرون عليه من أنواع العبودية .
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
الأدلة الدالة ، على أنه وحده ، المعبود المحمود ، ذو الجلال والإكرام . [ 4 ] فلما ذكر حكمه القدري ، وهو التدبير العام ، وحكمه الديني ، وهو شرعه ، الذي مضمونه ومقصوده ، عبادته وحده لا شريك له ، ذكر الحكم الجزائي ، وهو : مجازاته على الأعمال بعد الموت ، فقال :
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً
أي : سيجمعكم بعد موتكم ، لميقات يوم معلوم .
وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا
أي : وعده صادق ، لا بد من إتمامه
إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
، فالقادر على ابتداء الخلق ، قادر على إعادته . والذي يرى ابتداءه بالخلق ، ثمّ ينكر إعادته للخلق ، فهو فاقد العقل ، منكر لأحد المثلين ، مع إثبات ما هو أولى منه ، فهذا دليل عقلي واضح على المعاد . ثمّ ذكر الدليل النقلي فقال :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا
بقلوبهم بما أمرهم اللّه بالإيمان به .
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
بجوارحهم ، من واجبات ، ومستحبات ،
بِالْقِسْطِ
أي : بإيمانهم وأعمالهم ، جزاء قد بينه لعباده ، وأخبر أنه لا تعلم نفس ما أخفي