تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
في ضرب الأمثال ، وفي العبر والآيات ، وفي العبر والآيات ، فإذا تفكروا ، علموا ، وإذا علموا ، عملوا . [ 177 ]
ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ
( 177 ) ، أي : ساء وقبح ، مثل من كذب بآيات اللّه ، وظلم نفسه ، بأنواع المعاصي ، فإن مثلهم مثل السوء ، وهذا الذي آتاه اللّه آياته ، يحتمل أن المراد شخص معين ، قد كان منه ما ذكره اللّه ، فقص اللّه قصة تبينها للعباد . ويحتمل أن المراد بذلك ، أنه اسم جنس ، وأنه شامل لكل من آتاه اللّه آياته ، فانسلخ منها . وفي هذه الآيات ، الترغيب في العمل بالعلم ، وأن ذلك رفعة من اللّه لصاحبه ، وعصمة من الشيطان ، والترهيب من عدم العمل به ، وأنه نزول إلى أسفل سافلين ، وتسليط للشيطان عليه ، وفيه أن اتباع الهوى ، وإخلاد العبد إلى الشهوات ، يكون سببا للخذلان . [ 178 ] ثمّ قال - مبينا أنه المنفرد بالهداية والإضلال - :
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ
بأن يوفقه للخيرات ، ويعصمه من المكروهات ، ويعلمه ما لم يكن يعلم ،
فَهُوَ الْمُهْتَدِي
حقا لأنه آثر هدايته تعالى .
وَمَنْ يُضْلِلْ
فيخذله ولا يوفقه للخير
فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
لأنفسهم وأهليهم يوم القيامة ، ألا ذلك هو الخسران المبين . [ 179 - 180 ] يقول تعالى - مبينا كثرة الغاوين الضالين ، المتبعين إبليس اللعين :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا
أي : أنشأنا وبثثنا
لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
صارت البهائم أحسن حالة منهم .
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها
أي : لا يصل إليها فقه ولا علم ، إلا مجرد قيام الحجة .
وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها
ما ينفعهم ، بل فقدوا منفعتها وفائدتها .
وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها
سماعا يصل معناه إلى قلوبهم .
أُولئِكَ
الّذين بهذه الأوصاف القبيحة
كَالْأَنْعامِ
أي : البهائم ، التي فقدت العقول ، وهؤلاء آثروا ما يفنى ، على ما يبقى ، فسلبوا خاصية العقل .
بَلْ هُمْ أَضَلُّ
من البهائم ، فإن الأنعام مستعملة فيما خلقت له ، ولها أذهان ، تدرك بها ، مضرتها من منفعتها ، فلذلك كانت أحسن حالا منهم . و
أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
الّذين غفلوا عن أنفع الأشياء ، غفلوا عن الإيمان باللّه ، وطاعته ، وذكره . خلقت لهم الأفئدة والأسماع والأبصار ، لتكون عونا لهم على القيام بأوامر اللّه وحقوقه ، فاستعانوا بها على ضد هذا المقصود . فهؤلاء حقيقون ، بأن يكونوا ممن ذرأ اللّه لجهنم وخلقهم لها ، فخلقهم للنار ، وبأعمال أهلها ، يعملون . وأما من استعمل هذه الجوارح في عبادة اللّه ، وانصبغ قلبه بالإيمان باللّه ومحبته ، ولم يغفل عن اللّه ، فهؤلاء أهل الجنة ، وبأعمال أهل الجنة يعملون . هذا بيان ، لعظيم جلاله وسعة أوصافه ، بأن له الأسماء الحسنى ، أي : له كل اسم حسن ، وضابطه : أنه كل اسم دال على صفة كمال عظيمة ، وبذلك كانت حسنى ، فإنها لو دلت على غير صفة ، بل كانت علما محضا ، لم تكن حسنى ، وكذلك لو دلّت على صفة ، ليست بصفة كمال ، بل إما صفة نقص أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح ، لم تكن حسنى ، فكل اسم من أسمائه ، دال على جميع الصفة ، التي اشتق منها ، مستغرق لجميع معناها . وذلك نحو « العليم » الدال على أن له علما محيطا عاما لجميع الأشياء ، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء . و « الرحيم » الدال على أن له رحمة عظيمة ، واسعة لكل شيء . و « القدير » الدال على أن له قدرة عامة ، لا يعجزها شيء ، ونحو ذلك . ومن تمام كونها « حسنى » أنه لا يدعى إلا بها ، ولذلك قال :
فَادْعُوهُ بِها
وهذا شامل لدعاء العبادة ، ودعاء المسألة . فيدعى في كل مطلوب ، بما يناسب ذلك المطلوب ، فيقول الداعي مثلا : اللهم اغفر لي وارحمني ، إنك أنت الغفور الرحيم ، وتب عليّ يا تواب ، وارزقني يا رزاق ، والطف بي يا لطيف ونحو ذلك . وقوله :
وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
، أي : عقوبة وعذابا على إلحادهم في أسمائه ، وحقيقة الإلحاد ، الميل بها ، عما جعلت له . إما بأن يسمى بها ، من لا يستحقها ، كتسمية المشركين بها لآلهتهم ، وإما بنفي معانيها وتحريفها ، وأن يجعل لها معنى ، ما أراده اللّه ولا رسوله ، وإما أن يشبه بها غيرها . فالواجب أن يحذر الإلحاد فيها ، ويحذر الملحدون فيها ، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « أن للّه تسعة وتسعين اسما ، من أحصاها دخل الجنة » .