تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
الجماع ، النسل ، وحينئذ
حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً
وذلك في ابتداء الحمل ، لا تحس به الأنثى ، ولا يثقلها .
فَلَمَّا
استمرت و
أَثْقَلَتْ
به حين كبر في بطنها ، فحينئذ صار في قلوبهما الشفقة على الولد ، وعلى خروجه حيا ، صحيحا ، سالما لا آفة فيه . لذلك
دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا
ولدا
صالِحاً
أي : صالح الخلقة تامها ، لا نقص فيه
لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
.
فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً
على وفق ما طلبا ، وتمت عليهما النعمة فيه
جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما
أي : جعلا للّه شركاء في ذلك الولد ، الذي انفرد اللّه بإيجاده ، والنعمة به ، وأقرّ به أعين والديه ، فعبّداه لغير اللّه . إما أن يسمياه بعبد غير اللّه ك « عبد الحارث » و « عبد العزى » و « عبد الكعبة » ونحو ذلك ، أو يشركا في اللّه في العبادة ، بعد ما منّ اللّه عليهما بما منّ به ، من النعم التي لا يحصيها أحد من العباد . وهذا انتقال من النوع إلى الجنس ، فإن أول الكلام في آدم وحواء ، ثمّ انتقل الكلام في الجنس ، ولا شك أن هذا موجود في الذرية كثيرا ، فلذلك قررهم اللّه على بطلان الشرك ، وأنهم في ذلك ظالمون أشد الظلم ، سواء كان الشرك في الأقوال ، أم في الأفعال . فإن اللّه هو الخالق لهم ، من نفس واحدة ، الذي خلق منها زوجها وجعل لهم من أنفسهم أزواجا ، ثمّ جعل بينهم من المودة والرحمة ، ما يسكن بعضهم إلى بعض ، ويألفه ، ويلتذ به ، ثمّ هداهم إلى ما به تحصل الشهوة واللذة ، والأولاد والنسل . ثمّ أوجد الذرية في بطون الأمهات ، وقتا موقوتا ، تتشوف إليه نفوسهم ويدعون اللّه أن يخرجه سويا صحيحا ، فأتم اللّه عليهم النعمة وأنالهم مطلوبهم . أفلا يستحق أن يعبدوه ، ولا يشركوا في عبادته أحدا ، ويخلصوا له الدين . ولكن الأمر جاء على العكس ، فأشركوا باللّه
ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ
أي : لعابديها
نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ
. فإذا كانت لا تخلق شيئا ، ولا مثقال ذرة ، بل هي مخلوقة ، ولا تستطيع أن تدفع المكروه عن من يعبدها ، ولا عن أنفسها فكيف تتخذ مع اللّه آلهة ؟ إن هذا إلا أظلم الظلم ، وأسفه السفه . [ 193 ]
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ
أي : وإن تدعو ، أيها المشركون هذه الأصنام ، التي عبدتموها من دون اللّه
إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ
، فصار الإنسان أحسن حالة منها ، لأنها لا تسمع ، ولا تبصر ، ولا تهدي ولا تهدى ، وكل هذا ، إذا تصوره اللبيب العاقل تصورا مجردا ، جزم ببطلان إلهيتها وسفاهة من عبدها . وهذا من نوع التحدي للمشركين العابدين للأوثان . [ 194 - 196 ] يقول تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ
أي : لا فرق بينكم وبينهم ، فكلكم عبيد للّه مملوكون ، فإن كنتم كما تزعمون صادقين ، في أنها تستحق من العبادة شيئا
فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ
فإن استجابوا لكم ، وحصلوا مطلوبكم وإلا تبين أنكم كاذبون في هذه الدعوى ، مفترون على اللّه أعظم الفرية . وهذا لا يحتاج إلى تبيين فيه ، فإنكم إذا نظرتم إليها وجدتم صورتها دالة على أنه ليس لديها من النفع شيء ، فليس لها أرجل تمشي بها ، ولا أيد تبطش بها ، ولا أعين تبصر بها ، ولا آذان تسمع بها ، فهي عادمة لجميع الآلات والقوى ، الموجودة في الإنسان . فإذا كانت لا تجيبكم إذا دعوتموها ، فهي عباد أمثالكم ، بل أنتم أكمل منها ، وأقوى على كثير
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 353 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي