تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
وطغيانه ، فإنه لا بد أن يعاقبهم اللّه ، إما بهلاك ، أو عذاب شديد . فقال الواعظون : نعظهم وننهاهم
مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ
، أي : لنعذر فيهم .
وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
أي : يتركون ما هم فيه من المعصية ، فلا نيأس من هدايتهم ، فربما نجح فيهم الوعظ ، وأثر فيهم اللوم . وهذا هو المقصود الأعظم ، من إنكار المنكر ، ليكون معذرة ، وإقامة حجة على المأمور المنهي ، ولعل اللّه أن يهديه ، فيعمل بمقتضى ذلك الأمر ، والنهي .
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ
أي : تركوا ما ذكروا به ، واستمروا على غيهم واعتدائهم .
أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ
وهكذا سنة اللّه في عباده ، أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر .
وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا
وهم الّذين اعتدوا في السبت
بِعَذابٍ بَئِيسٍ
أي : شديد
بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
، وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ
، فاختلف المفسرون في نجاتهم ، وهلاكهم ، والظاهر ، أنهم كانوا من الناجين ، لأن اللّه خص الهلاك بالظالمين ، وهو لم يذكر ، أنهم ظالمون . فدل على أن العقوبة ، خاصة بالمعتدين في السبت ، ولأن الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، فرض كفاية ، إذا قام به البعض ، سقط عن الآخرين ، فاكتفوا بإنكار أولئك ، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم :
لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً
فأبدوا من غضبهم عليهم ، ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة ، لفعلهم ، وأن اللّه سيعاقبهم أشد العقوبة . [ 166 - 167 ]
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا
أي : قسوا فلم يلينوا ، ولا اتعظوا ،
قُلْنا لَهُمْ
قولا قدريا ،
كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
فانقلبوا بإذن اللّه قردة ، وأبعدهم اللّه من رحمته ، ثمّ ذكر ضرب الذلة والصغار على من بقي منهم فقال :
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ
أي : اعلم إعلاما ، صريحا :
لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ
أي : يهينهم ، ويذلهم .
إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ
لمن عصاه ، حتى إنه يعجل له العقوبة في الدنيا .
وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
لمن تاب إليه وأناب ، يغفر له الذنوب ، ويستر عليه العيوب ، ويرحمه ، بأن يتقبل منه الطاعات ، ويثيبه عليها بأنواع المثوبات . وقد فعل اللّه بهم ما وعدهم به ، فلا يزالون في ذل وإهانة ، تحت حكم غيرهم ، لا تقوم لهم راية ، ولا ينصر لهم علم . [ 168 ]
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً
أي : فرقناهم ومزقناهم في الأرض ، بعد ما كانوا مجتمعين ،
مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ
القائمون بحقوق اللّه ، وحقوق عباده ،
وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ
أي : دون الصلاح ، إما مقتصدون ، وإما الظالمون لأنفسهم ،
وَبَلَوْناهُمْ
أي عادتنا وسنتنا ،
بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ
أي : باليسر والعسر .
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
عما هم عليه مقيمون ، من الردى ، ويراجعون ما خلقوا له من الهدى ، فلم يزالوا بين صالح ، وطالح ، ومقتصد . [ 169 - 170 ]
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ
زاد شرهم
وَرِثُوا
بعدهم
الْكِتابَ
وصار المرجع فيه إليهم ، وصاروا يتصرفون فيه بأهوائهم ، وتبذل لهم الأموال ، ليفتوا ويحكموا ، بغير الحقّ ، وفشت فيهم الرشوة .
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ
مقرين بأنه ذنب وأنهم ظلمة :
سَيُغْفَرُ لَنا
وهذا قول خال من الحقيقة ، فإنه ليس استغفارا