تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
وطلبا للمغفرة على الحقيقة . فلو كان ذلك ، لندموا على ما فعلوا ، وعزموا على أن لا يعودوا ، ولكنهم - إذا أتاهم عرض آخر ، ورشوة أخرى - يأخذونه . فاشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا ، واستبدلوا الذي هو أدنى ، بالذي هو خير . قال اللّه تعالى في الإنكار عليهم ، وبيان جراءتهم :
أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ
، فما بالهم يقولون عليه غير الحقّ ، اتباعا لأهوائهم ، وميلا مع مطامعهم .
وَ
الحال أنهم قد
دَرَسُوا ما فِيهِ
فليس عليهم فيه إشكال ، بل قد أتوا أمرهم متعمدين ، وكانوا في أمرهم مستبصرين ، وهذا أعظم للذنب ، وأشد للوم ، وأشنع للعقوبة ، وهذا من نقص عقولهم ، وسفاهة رأيهم ، بإيثار الحياة الدنيا على الآخرة ، ولهذا قال :
وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
ما حرّم اللّه عليهم ، من المآكل التي تصاب ، وتؤكل رشوة على الحكم ، بغير ما أنزل اللّه ، وغير ذلك من أنواع المحرمات .
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
أي : أفلا تكون لكم عقول توازن بين ما ينبغي إيثاره ، وما ينبغي الإيثار عليه ، وما هو أولى بالسعي إليه ، والتقديم له على غيره ، فخاصية العقل ، النظر للعواقب . وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع ، يفوت نعيما عظيما باقيا فأنى له العقل والرأي ؟ وإنّما العقلاء حقيقة ، من وصفهم اللّه بقوله :
وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ
أي : يتمسكون به علما وعملا ، فيعلمون ما فيه من الأحكام والأخبار التي علمها أشرف العلوم . ويعملون بما فيها من الأوامر ، التي هي قرة العيون ، وسرور القلوب ، وأفراح الأرواح ، وصلاح الدنيا والآخرة . ومن أعظم ما يجب التمسك به من المأمورات ، إقامة الصلاة ، ظاهرا وباطنا ، ولهذا خصها بالذكر لفضلها ، وشرفها ، وكونها ميزان الإيمان ، وإقامتها ، داعية لإقامة غيرها من العبادات . ولما كان عملهم كله إصلاحا ، قال تعالى :
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ
في أقوالهم وأعمالهم ، ونياتهم ، مصلحين ، لأنفسهم ، ولغيرهم . وهذه الآية ، وما أشبهها ، دلّت على أن اللّه بعث رسله ، عليهم الصلاة والسّلام ، بالصلاح لا بالفساد ، وبالمنافع لا بالمضار ، وأنهم بعثوا بصلاح الدارين ، فكل من كان أصلح ، كان أقرب إلى اتباعهم . [ 171 - 174 ] ثمّ قال تعالى :
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ
حين امتنعوا من قبول ما في التوراة . فألزمهم اللّه العمل ونتق فوق رؤوسهم الجبل ، فصار فوقهم
كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ
وقيل لهم
خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ
أي : بجد واجتهاد .
وَاذْكُرُوا ما فِيهِ
دراسة ومباحثة ، واتصافا بالعمل
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
إذا فعلتم ذلك . يقول تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
أي : أخرج من أصلابهم ، ذريتهم ، وجعلهم يتناسلون ، ويتوالدون ، قرنا بعد قرن .
وَ
حين أخرجهم من بطون أمهاتهم وأصلاب آبائهم
أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
أي : قررهم ، بإثبات ربوبيته ، بما أودعه في فطرهم ، من الإقرار ، بأنه ربهم وخالقهم ، ومليكهم .
قالُوا : بَلى
قد أقررنا بذلك ، فإن اللّه تعالى ، فطر عباده على الدين الحنيف القيم . فكل أحد ، فهو مفطور على ذلك ، ولكن الفطرة قد تغير ، وتبدل ، بما يطرأ على العقول من العقائد الفاسدة ، ولهذا
قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ
. أي : إنّما امتحناكم ، حتى أقررتم ، بما تقرر عندكم ، من أن اللّه تعالى ، ربكم ،