تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
فاحِشَةً
وهي : كل ما يستفحش ويستقبح ، ومن ذلك : طوافهم بالبيت عراة .
قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا
، وصدقوا في هذا .
وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها
وكذبوا في هذا ، ولهذا رد اللّه عليهم هذه النسبة فقال :
قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
أي : لا يليق بكماله وحكمته ، أن يأمر عباده بتعاطي الفواحش ، لا هذا الذي يفعله المشركون ولا غيره .
أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
وأي افتراء أعظم من هذا . [ 29 ] ثم ذكر ما يأمر به فقال :
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ
أي : بالعدل في العبادات والمعاملات ، لا بالظلم والجور .
وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
أي : توجهوا إلى اللّه ، واجتهدوا في تكميل العبادات ، خصوصا « الصلاة » أقيموها ، ظاهرا وباطنا ، ونقوها من كل نقص ومفسد .
وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
أي : قاصدين بذلك وجهه وحده لا شريك له . والدعاء يشمل دعاء المسألة ، ودعاء العبادة أي : لا تريدوا ولا تقصدوا من الأغراض في دعائكم ، سوى عبودية اللّه ورضاه .
كَما بَدَأَكُمْ
أول مرة
تَعُودُونَ
للبعث ، فالقادر على بدء خلقكم ، قادر على إعادته ، بل الإعادة ، أهون من البدء . [ 30 ]
فَرِيقاً
منكم
هَدى
اللّه ، أي : وفقهم للهداية ، ويسر لهم أسبابها ، وصرف عنهم موانعها .
وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ
أي : وجبت عليهم الضلالة ، بما تسببوا لأنفسهم ، وعملوا بأسباب الغواية .
إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
ومن يتخذ الشيطان وليا من دون اللّه ، فقد خسر خسرانا مبينا . فحين انسلخوا من ولاية الرحمن ، واستحبوا ولاية الشيطان ، حصل لهم النصيب الوافر ، من الخذلان ، ووكلوا إلى أنفسهم فخسروا أشد الخسران .
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
لأنهم انقلبت عليهم الحقائق ، فظنوا الباطل حقا ، والحق باطلا . وفي هذه الآيات ، دليل على أن الأوامر والنواهي ، تابعة للحكمة والمصلحة ، حيث ذكر تعالى ، أنه لا يتصور أن يأمر بما تستفحشه وتنكره العقول ، وأنه لا يأمر إلا بالعدل والإخلاص ، وفيه دليل على أن الهداية ، بفضل اللّه ومنه ، وأن الضلالة بخذلانه للعبد ، إذ تولى - بجهله وظلمه - الشيطان ، وتسبب لنفسه بالضلال . وأن من حسب أنه مهتد ، وهو ضال ، فإنه لا عذر له ، لأنه متمكن من الهدى ، وإنما أتاه حسبانه ، من ظلمه بترك الطريق الموصل إلى الهدى . [ 31 ] يقول تعالى - بعد ما أنزل على بني آدم لباسا يواري سوءاتهم وريشا - :
يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
أي : استروا عوراتكم عند الصلاة كلها ، وفرضها ونفلها ، فإن سترها زينة للبدن ، كما أن كشفها ، يدع البدن قبيحا مشوها . ويحتمل أن المراد بالزينة هنا ، ما فوق ذلك ، من اللباس النظيف الحسن ، ففي هذا ، الأمر بستر العورة في الصلاة ، وباستعمال التجميل فيها ، ونظافة السترة من الأدناس والأنجاس . ثم قال :
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا
أي : مما رزقكم اللّه من الطيبات
وَلا تُسْرِفُوا
في ذلك . والإسراف ، إما أن يكون بالزيادة على القدر الكافي ، ولشره في المأكولات التي تضر بالجسم ، وإما أن يكون بزيادة الترفه والتنوق في المآكل ، والمشارب ، واللباس ، وإما بتجاوز الحلال إلى الحرام .
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
فإن السرف يبغضه اللّه ، ويضر بدن الإنسان ومعيشته ، حتى إنه ربما أدت به الحال إلى أن يعجز عما يجب عليه من النفقات ، ففي هذه الآية الكريمة ، الأمر بتناول الأكل والشرب ، والنهي عن تركهما ، وعن الإسراف فيهما . [ 32 ] يقول تعالى - منكرا على من تعنت ، وحرم ما أحل اللّه من الطيبات -
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ
من أنواع اللباس ، على اختلاف أصنافه ، والطيبات من الرزق ، من مأكل ، ومشرب ، بجميع أنواعه ، أي : من هذا الذي يقدم على تحريم ما أنعم اللّه على العباد ، ومن ذا الذي يضيق عليهم ، ما وسعه اللّه ؟ وهذا التوسيع من اللّه لعباده ، بالطيبات ، جعله لهم ليستعينوا به على عبادته ، فلم يبحه إلا لعباده المؤمنين ، ولهذا قال :
قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ
أي : لا تبعة عليهم فيها . ومفهوم الآية ، أن من لم يؤمن باللّه ، بل استعان بها على معاصيه ، فإنها غير خالصة له ولا مباحة ، بل يعاقب عليها ، وعلى التنعم بها ، ويسأل عن النعيم يوم القيامة .
كَذلِكَ