تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
التي يأتي منها ، ومداخله التي ينفذ منها ، فله تعالى علينا بذلك ، أكمل نعمة . [ 18 ] أي : قال اللّه لإبليس لما قال ما قال :
اخْرُجْ مِنْها
خروج صغار واحتقار ، لا خروج إكرام بل
مَذْؤُماً
أي : مذموما
مَدْحُوراً
مبعدا عن اللّه ، وعن رحمته ، وعن كل خير .
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ
أي : منك وممن تبعك منهم
أَجْمَعِينَ
وهذا قسم من اللّه تعالى ، أن النار دار العصاة ، لا بد أن يملأها من إبليس وأتباعه من الجن والإنس . [ 19 ] ثم حذّر آدم شره وفتنته فقال :
وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا
إلى قوله :
مِنَ الظَّالِمِينَ
. أي أمر اللّه تعالى ، آدم وزوجته حواء ، التي أنعم اللّه بها عليه ، ليسكن إليها ، أن يأكلا من الجنة حيث شاءا ويتمتعا فيها بما أرادا ، إلا أنه عين لهما شجرة ، ونهاهما عن أكلها ، واللّه أعلم ، ما هي ، وليس في تعيينها فائدة لنا . وحرّم عليهما أكلها ، بدليل قوله :
فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ
فلم يزالا ممتثلين لأمر اللّه ، حتى تغلغل إليهما ، عدوهما إبليس بمكره ، فوسوس لهما وسوسة ، خدعهما بها ، وموه عليهما وقال : [ 20 - 21 ]
ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ
أي : من جنس الملائكة
أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ
كما قال في الآية الأخرى :
إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ
. [ ومع قوله هذا ، أقسم لهما باللّه :
إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ
] « 1 » أي : من جملة الناصحين ، حيث قلت لكما ، ما قلت . فاغترا بذلك ، وغلبت الشهوة في تلك الحال على العقل . [ 22 ]
فَدَلَّاهُما
أي : أنزلهما عن رتبتهما العالية ، التي هي البعد عن الذنوب والمعاصي إلى التلوث بأوضارها ، فأقدما على أكلها .
فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما
أي : ظهرت عورة كل منهما بعد ما كانت مستورة ، فصار للعري الباطن من التقوى في هذه الحال ، أثر في اللباس الظاهر ، حتى انخلع ، فظهرت عوراتهما ، ولما ظهرت عوراتهما ، خجلا ، وجعلا يخصفان على عوراتهما ، من أوراق شجر الجنة ، ليستترا بذلك .
وَناداهُما رَبُّهُما
وهما بتلك الحال موبخا ومعاتبا :
أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ
فلم اقترفتما المنهي ، وأطعتما عدوكما ؟ [ 23 ] فحينئذ ، منّ اللّه عليهما بالتوبة وقبولها ، فاعترفا بالذنب ، وسألا اللّه مغفرته فقالا :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
، أي : قد فعلنا الذنب ، الذي نهيتنا عنه ، وأضررنا بأنفسنا ، باقتراف الذنب ، وقد فعلنا سبب الخسار إن لم تغفر لنا ، بمحو أثر الذنب وعقوبته ، وترحمنا بقبول التوبة والمعافاة من أمثال هذه الخطايا . فغفر اللّه لهما ذلك
وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى
( 122 ) . هذا ، وإبليس مستمر على طغيانه ، غير مقلع عن عصيانه ، فمن أشبه آدم بالاعتراف ، وسؤال المغفرة والندم ، والإقلاع - إذا صدرت منه الذنوب - اجتباه ربه وهداه . ومن أشبه إبليس - إذا صدر منه الذنب ، لا يزال يزداد من المعاصي - فإنه لا يزداد من اللّه
هامش
( 1 ) سقط من المطبوعة التي بين أيدينا ، وهو موافق للسياق .