تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
[ 3 ] هذا الذي حولنا اللّه عليه في قوله :
إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ
. واعلم أن اللّه تبارك وتعالى ، لا يحرم ما يحرم ، إلا صيانة لعباده ، وحماية لهم من الضرر الموجود في المحرمات ، وقد يبين للعباد ذلك ، وقد لا يبين . فأخبر أنه حرم الميتة ، والمراد بالميتة : ما فقدت حياته بغير ذكاة شرعية ، فإنها تحرم ، لضررها ، وهو احتقان الدم في جوفها ولحمها ، المضر بآكلها . وكثيرا ما تموت بعلة تكون سببا لهلاكها ، فتضر بالآكل . ويستثنى من ذلك ، ميتة الجراد ، والسمك فإنه حلال .
وَالدَّمُ
أي : المسفوح ، كما قيد في الآية الأخرى .
وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ
وذلك شامل لجميع أجزائه . وإنما نص اللّه عليه من بين سائر الخبائث من السباع ، لأن طائفة من أهل الكتاب ، من النصارى ، يزعمون أن اللّه أحله لهم . أي : فلا تغتروا بهم ، بل هو محرم من جملة الخبائث .
وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
أي : ذكر عليه اسم غير اللّه ، من الأصنام ، والأولياء ، والكواكب ، وغير ذلك من المخلوقين . فكما أن ذكر اللّه تعالى يطيب الذبيحة ، فذكر اسم غيره عليها ، يفيدها خبثا معنويا ، لأنه شرك باللّه تعالى .
وَالْمُنْخَنِقَةُ
أي : الميتة بخنق ، بيد ، أو حبل ، أو إدخال رأسها بشيء ضيق ، فتعجز عن إخراجه ، حتى تموت .
وَالْمَوْقُوذَةُ
أي : الميتة بسبب الضرب ، بعصا ، أو حصى ، أو خشبة ، أو هدم شيء عليها ، بقصد ، أو بغير قصد .
وَالْمُتَرَدِّيَةُ
أي : الساقطة من علو ، كجبل ، أو جدار ، أو سطح ونحوه ، فتموت بذلك .
وَالنَّطِيحَةُ
وهي التي تنطحها غيرها فتموت .
وَما أَكَلَ السَّبُعُ
من ذئب ، أو أسد ، أو نمر ، أو من الطيور التي تفترس الصيود ، فإنها إذا ماتت بسبب أكل السبع ، فإنها لا تحل . وقوله :
إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ
راجع لهذه المسائل ، من منخنقة ، وموقوذة ، ومتردية ، ونطيحة ، وأكيلة سبع ، إذا ذكيت وفيها حياة مستقرة لتتحقق الذكاة فيها . ولهذا قال الفقهاء : « لو أبان السبع أو غيره ، حشوتها ، أو قطع حلقومها ، كان وجود حياتها ، كعدمها ، لعدم فائدة الذكاة فيها » . وبعضهم لم يعتبر فيها إلا وجود الحياة ، فإذا ذكاها وفيها حياة ، حلت ، ولو كانت مبانة الحشوة ، وهو ظاهر الآية الكريمة .
وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ
أي : وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام . ومعنى الاستقسام : طلب ما يقسم لكم ، ويقدر بها . وهي قداح ثلاثة ، كانت تستعمل في الجاهلية ، مكتوب على أحدها « افعل » وعلى الثاني « لا تفعل » والثالث « غفل » لا كتابة فيه . فإذا همّ أحدهم بسفر ، أو عرس أو نحوهما ، أجال تلك القداح المتساوية في الجرم ، ثم أخرج واحدا منها . فإن خرج المكتوب عليه « افعل » مضى في أمره . وإن ظهر المكتوب عليه « لا تفعل » لم يفعل ولم يمض في شأنه . وإن ظهر الآخر ، الذي لا شيء عليه ، أعادها حتى يخرج أحد القدحين ، فيعمل به . فحرّم اللّه عليهم الذي في هذه الصورة ، وما يشبهها ، وعوضهم عنه ، بالاستخارة لربهم ، في جميع أمورهم .
ذلِكُمْ فِسْقٌ
الإشارة لكل ما تقدم من المحرمات ، التي حرمها اللّه ، صيانة لعباده ، وأنها فسق ، أي : خروج عن طاعته ، إلى طاعة الشيطان . ثم امتنّ على عباده بقوله :
الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ
الآية . واليوم المشار إليه ، يوم عرفة ، إذ أتم اللّه دينه ، ونصر عبده ورسوله ، وانخذل أهل الشرك انخذالا بليغا ، بعد ما كانوا حريصين على رد المؤمنين عن دينهم ، طامعين في ذلك . فلما رأوا عز الإسلام وانتصاره وظهوره ، يئسوا كل اليأس من المؤمنين ، أن يرجعوا إلى دينهم ، وصاروا يخافون منهم ويخشون . ولهذا في هذه السنة ، التي حج فيها النبي صلى اللّه عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع - لم يحجج فيها مشرك ، ولم يطف بالبيت عريان . ولهذا قال :
فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ
أي : فلا تخشوا المشركين ، وأخشوا اللّه ، الذي نصركم عليهم ، وخذلهم ، ورد كيدهم في نحورهم .
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
بتمام النصر ، وتكميل الشرائع ، الظاهرة والباطنة ، الأصول والفروع . ولهذا كان الكتاب والسنّة ، كافيين كل الكفاية ، في أحكام الدين ، وأصوله وفروعه . فكل متكلف يزعم ، أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم وأحكامهم ، إلى علوم ، غير علم الكتاب والسنّة ، من علم الكلام وغيره ، فهو جاهل ، مبطل في دعواه ، قد زعم أن الدين لا يكمل ، إلا بما قاله ، ودعا إليه . وهذا من أعظم الظلم والتجهيل للّه ولرسوله .
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
الظاهرة والباطنة
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
أي : اخترته واصطفيته لكم دينا ، كما ارتضيتكم له .