تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
استقروا عليه ، غير الطاعة ، لأن التبييت ، تدبير الأمر ليلا ، على وجه يستقر عليه الرأي . ثم توعدهم على ما فعلوا فقال :
وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ
أي : يحفظه عليهم ، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء ، ففيه وعيد لهم . ثم أمر رسوله ، بمقابلتهم بالإعراض ، وعدم التعنيف ، فإنهم لا يضرونه شيئا ، إذا توكل على اللّه ، واستعان به ، في نصر دينه ، وإقامة شرعه . ولهذا قال :
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
. [ 82 ] يأمر تعالى بتدبر كتابه ، وهو : التأمل في معانيه ، وتحديق الفكر فيه ، وفي مبادئه وعواقبه ، ولوازم ذلك . فإن في تدبر كتاب اللّه مفتاحا للعلوم والمعارف ، وبه يستنتج كل خير وتستخرج منه جميع العلوم . وبه يزداد الإيمان في القلب ، وترسخ شجرته . فإنه يعرف بالرب المعبود ، وما له من صفات الكمال ؛ وما ينزه عنه من سمات النقص . ويعرف الطريق الموصلة إليه ، وصفة أهلها ، وما لهم عند القدوم عليه . ويعرف العدو ، الذي هو العدو على الحقيقة ؛ والطريق الموصلة إلى العذاب ؛ وصفة أهلها ؛ وما لهم عند وجود أسباب العقاب . وكلما ازداد العبد تأملا فيه ، ازداد علما ، وعملا ، وبصيرة . ولذلك أمر اللّه بذلك ، وحث عليه ، وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن ، كما قال تعالى :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
( 29 ) . وقال تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
( 24 ) . ومن فوائد التدبير لكتاب اللّه : أنه بذلك ، يصل العبد إلى درجة اليقين ، والعلم بأنه كلام اللّه ، لأنه يراه ، يصدق بعضه بعضا ، ويوافق بعضه بعضا . فترى الحكم والقصة والأخبار ، تعاد في القرآن ؛ في عدة مواضع ، كلها متوافقة متصادقة ، لا ينقض بعضها بعضا . فبذلك يعلم كمال القرآن ، وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور . فلذلك قال تعالى :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
أي : فلما كان من عند اللّه ؛ لم يكن فيه اختلاف أصلا . [ 83 ] هذا تأديب من اللّه لعباده ، عن فعلهم هذا ، غير اللائق . وأنه ينبغي لهم ، إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة ، والمصالح العامة ، ما يتعلق بالأمن ، وسرور المؤمنين ، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم ، أن يتثبتوا ، ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر . بل يردونه إلى الرسول ، وإلى أولي الأمر منهم ، أهل الرأي ، والعلم والنصح ، والعقل ، والرزانة ، الّذين يعرفون الأمور ، ويعرفون المصالح وضدها . فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين ، وسرورا لهم ، وتحرزا من أعدائهم ، فعلوا ذلك . وإن رأوا ما فيه مصلحة ، أو فيه مصلحة ، ولكن مضرته تزيد على مصلحته ، لم يذيعوه . ولهذا قال :
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
أي : يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة ، وعلومهم الرشيدة . وفي هذا دليل لقاعدة أدبية ، وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ، ينبغي أن يولّى من هو أهل لذلك ، ويجعل إلى أهله ، ولا يتقدم بين أيديهم ، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ . وفيه النهي عن العجلة والتسرع ، لنشر الأمور ، من حين سماعها . والأمر بالتأمل قبل الكلام ، والنظر فيه ، هل هو مصلحة ، فيقدم عليه الإنسان ، أم لا ؟ فيحجم عنه ؟ ثم قال تعالى :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
أي : في توفيقكم ، وتأديبكم ، وتعليمكم ما لم تكونوا تعلمون .
لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا
لأن الإنسان بطبعه ، ظالم