تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
علمكم ما لم تكونوا تعلمون . ومنها هذه الأشياء والحدود . ومن حكمته ، أنه يتوب على من اقتضت حكمته ورحمته ، التوبة عليه . ويخذل من اقتضت حكمته وعدله ، من لا يصلح للتوبة . [ 27 ] وقوله :
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ
أي : توبة تلم شعثكم ، وتجمع متفرقكم ، وتقرّب بعيدكم .
وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ
أي : يميلون معها حيث مالت ، ويقدمونها على ما فيه رضا محبوبهم ، ويعبدون أهواءهم ، من أصناف الكفرة والعاصين ، المقدمين لأهوائهم على طاعة ربهم . فهؤلاء يريدون
أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً
أي : تنحرفوا عن الصراط المستقيم ، إلى صراط المغضوب عليهم والضالين . يريدون أن يصرفوكم عن طاعة الرحمن ، إلى طاعة الشيطان ، وعن التزام حدود من السعادة كلها ، في امتثال أوامره ، إلى من الشقاوة كلها في اتباعه . فإذا عرفتم أن اللّه تعالى ، يأمركم بما فيه صلاحكم وفلاحكم ، وسعادتكم ، وأن هؤلاء المتبعين لشهواتهم ، يأمرونكم ، بما فيه غاية الخسار والشقاء ، فاختاروا لأنفسكم أولى الداعيين ، وتخيروا أحسن الطريقتين . [ 28 ]
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ
أي : بسهولة ما أمركم به ، ونهاكم عنه . ثم مع حصول المشقة في بعض الشرائع ، أباح لكم ما تقتضيه حاجتكم ، كالميتة والدم ونحوهما ، للمضطر ، وكتزوج الأمة للحر ، بتلك الشروط السابقة . وذلك لرحمته التامة ، وإحسانه الشامل ، وعلمه وحكمته بضعف الإنسان ، من جميع الوجوه ، ضعف البنية ، وضعف الإرادة وضعف العزيمة ، وضعف الإيمان ، وضعف الصبر . فناسب ذلك ، أن يخفف اللّه عنه ، ما يضعف عنه ، وما لا يطيقه إيمانه ، وصبره ، وقوته . [ 29 ] ينهى تعالى ، عباده المؤمنين ، أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل . وهذا يشمل أكلها بالغصوب ، والسرقات ، وأخذها بالقمار ، والمكاسب الرديئة . بل لعله يدخل في ذلك ، أكل مال نفسك على وجه البطر والإسراف ، لأن هذا من الباطل ، وليس من الحق . ثم إنه - لما حرم أكلها بالباطل - أباح لهم أكلها بالتجارات ، والمكاسب الخالية من الموانع ، المشتملة على الشروط ، من التراضي وغيره .
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
أي : لا يقتل بعضكم بعضا ، ولا يقتل الإنسان نفسه . ويدخل في ذلك ، الإلقاء بالنفس إلى التهلكة ، وفعل الأخطار المفضية إلى التلف والهلاك .
إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً
ومن رحمته ، أن صان نفوسكم وأموالكم ، ونهاكم عن إضاعتها وإتلافها ، ورتب على ذلك ، ما رتبه من الحدود . وتأمل هذا الإيجاز والجمع ، في قوله :
لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
كيف شمل أموال غيرك ، ومال نفسك ، وقتل نفسك ، وقتل غيرك ، بعبارة أخصر من قوله : « لا يأكل بعضكم مال بعض » و « لا يقتل بعضكم بعضا » مع قصور هذه العبارة على مال الغير ، ونفس الغير فقط . مع أن إضافة الأموال والأنفس إلى عموم المؤمنين ، فيه دلالة على أن المؤمنين ، في توادهم ، وتراحمهم ، وتعاطفهم ، ومصالحهم ، كالجسد الواحد ، حيث كان الإيمان يجمعهم ، على مصالحهم الدينية والدنيوية . ولما نهى عن أكل الأموال بالباطل ، التي فيها غاية الضرر عليهم ، على الأكل ، ومن أخذ ماله - أباح لهم ، ما فيه مصلحتهم من أنواع المكاسب والتجارات ، وأنواع الحرف والإجارات فقال :
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ
أي : فإنها مباحة لكم . وشرط التراضي - مع كونها تجارة - لدلالة أنه يشترط أن يكون العقد غير عقد ربا ، لأن الربا ليس من التجارة ، بل مخالف لمقصودها ، وأنه لا بد أن يرضى كل من المتعاقدين ، ويأتي به اختيارا . ومن تمام الرضا ، أن يكون المعقود عليه ، معلوما ، لأنه إذا لم يكن كذلك ، لا يتصور الرضا مقدورا على تسليمه ، لأن غير المقدور عليه ، شبيه ببيع القمار . فبيع الغرر بجميع أنواعه ، خال من الرضا ، فلا ينفذ عقده . وفيها أنه تنعقد العقود ، بما دل عليها ، من قول أو فعل ، لأن اللّه شرط الرضا ، فبأي طريق حصل الرضا ، انعقد به العقد . ثم ختم الآية بقوله :
إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً
ومن رحمته ، أن عصم دماءكم وأموالكم ، وصانها ، ونهاكم عن انتهاكها . [ 30 ] ثم قال :
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ
أي : أكل الأموال بالباطل ، وقتل النفوس
عُدْواناً وَظُلْماً
أي : لا جهلا