تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
[ 25 ] ثم قال تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا
الآية . أي : ومن لم يستطع الطول الذي هو المهر لنكاح المحصنات ، أي : الحرائر المؤمنات ، وخاف على نفسه العنت ، أي : الزنا والمشقة الكثيرة ، فيجوز له نكاح الإماء المملوكات المؤمنات . وهذا بحسب ما يظهر ، وإلا ، فاللّه أعلم بالمؤمن الصادق من غيره . فأمور الدنيا مبنية على ظواهر الأمور ، وأحكام الآخرة مبنية على ما في البواطن .
فَانْكِحُوهُنَّ
أي : المملوكات
بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ
أي : سيدهن ، واحدا ، أو متعددا .
وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
أي : ولو كن إماء ، فإنه كما يجب المهر للحرة ، فكذلك يجب للأمة . ولكن لا يجوز نكاح الإماء ، إلا إذا كن
مُحْصَناتٍ
أي : عفيفات عن الزنا .
غَيْرَ مُسافِحاتٍ
أي : زانيات علانية .
وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ
أي : أخلاء في السر . فالحاصل ، أنه لا يجوز للحر المسلم ، نكاح أمة ، إلا بأربعة شروط ذكرها اللّه : إيمانهن ، والعفة ظاهرا ، وباطنا ، وعدم استطاعة طول الحرة ، وخوف العنت . فإذا تمت هذه الشروط ، جاز له نكاحهن . ومع هذا ، فالصبر عن نكاحهن أفضل ، لما فيه من تعريض الأولاد للرق ، ولما فيه من الدناءة والعيب . وهذا إذا أمكن الصبر ، فإن لم يمكن الصبر عن الحرام ، إلا بنكاحهن ، وجب ذلك . ولهذا قال :
وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
. وقوله :
فَإِذا أُحْصِنَّ
أي : تزوجن أو أسلمن ، أي : الإماء
فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ
أي : الحرائر
مِنَ الْعَذابِ
. وذلك الذي يمكن تنصيفه ، وهو : الجلد ، فيكون عليهن خمسون جلدة . وأما الرجم ، فليس على الإماء رجم ، لأنه لا يتنصف . فعلى القول الأول ، إذا لم يتزوجن ، فليس عليهن حد ، إنما عليهن تعزير يردعهن عن فعل الفاحشة . وعلى القول الثاني : إن الإماء غير المسلمات . إذا فعلن فاحشة أيضا عزرن . وختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين « الغفور الرحيم » لكون هذه الأحكام ، رحمة بالعباد ، وكرما ، وإحسانا إليهم ، فلم يضيق عليهم ، بل وسع غاية السعة . ولعل في ذكر المغفرة بعد ذكر الحد ، إشارة إلى أن الحدود كفارات ، يغفر اللّه بها ذنوب عباده ، كما ورد بذلك الحديث . وحكم العبد الذكر في الحد المذكور ، حكم الأمة ، لعدم الفارق بينهما . [ 26 ] يخبر تعالى ، بمنته العظيمة ، ومنحته الجسيمة ، وحسن تربيته لعباده المؤمنين ، وسهولة دينه فقال :
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ
أي : جميع ما تحتاجون إلى بيانه ، من الحق والباطل ، والحلال والحرام .
وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
أي : الذين أنعم اللّه عليهم ، من النبيين وأتباعهم ، في سيرهم الحميدة ، وأفعالهم السديدة ، وشمائلهم الكاملة ، وتوفيقهم التام . فلذلك نفذ ما أراده ، ووضح لكم ، وبيّن بيانا ، كما بيّن لمن قبلكم ، وهداكم هداية عظيمة في العلم والعمل .
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ
أي : يلطف لكم في أحوالكم ، وما شرعه لكم ، حتى تتمكنوا من الوقوف على ما حده اللّه ، والاكتفاء بما أحله ، فتقل ذنوبكم ، بسبب ما يسر اللّه عليكم ، فهذا من توبته على عباده . ومن توبته عليهم ، أنهم إذا أذنبوا ، فتح لهم أبواب الرحمة ، وأوزع قلوبهم الإنابة إليه ، والتذلل بين يديه ، ثم يتوب عليهم ، بقبول ما وفقهم له . فله الحمد والشكر ، على ذلك . وقوله :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
أي : كامل الحكمة ، فمن علمه أن