تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
قلوبهم من الحنق ، الموجب للانتقام بالقول والفعل - ، هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية ، بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ ، ويصبرون عن مقابلة المسئ إليهم .
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
، يدخل في العفو عن الناس ، العفو عن كل من أساء إليك بقول ، أو فعل . والعفو أبلغ من الكظم ، لأن العفو ترك المؤاخذة ، مع السماحة عن المسئ ، وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة ، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة ، وممن تاجر مع اللّه ، وعفا عن عباد اللّه ، رحمة بهم ، وإحسانا إليهم ، وكراهة لحصول الشر عليهم ، وليعفو اللّه عنه ، ويكون أجره على ربه الكريم ، لا على العبد الفقير ، كما قال تعالى :
فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
. [ 134 ] ثم ذكر حالة أعم من غيرها ، وأحسن ، وأعلى ، وأجل ، وهي الإحسان ، فقال تعالى :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
، والإحسان نوعان : الإحسان في عبادة الخالق ، والإحسان إلى المخلوق . فالإحسان في عبادة الخالق ، فسرها النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » . وأما الإحسان إلى المخلوق ، فهو إيصال النفع الديني والدنيوي إليهم ، ودفع الشر الديني والدنيوي عنهم ، فيدخل في ذلك ، أمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر ، وتعليم جاهلهم ، ووعظ غافلهم ، والنصيحة لعامتهم وخاصتهم ، والسعي في جمع كلمتهم ، وإيصال الصدقات والنفقات الواجبة والمستحبة إليهم ، على اختلاف أحوالهم ، وتباين أوصافهم . فيدخل في ذلك بذل الندى ، وكف الأذى ، واحتمال الأذى ، كما وصف اللّه به المتقين في هذه الآيات . فمن قام بهذه الأمور ، فقد قام بحق اللّه وحق عبيده . [ 135 ] ثم ذكر اعتذارهم لربهم من جناياتهم وذنوبهم ، فقال :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
، أي : صدر منهم أعمال سيئة كبيرة ، أو ما دون ذلك ، بادروا إلى التوبة والاستغفار ، وذكروا ربهم ، وما توعد به العاصين ، ووعد به المتقين . فسألوه المغفرة لذنوبهم ، والستر لعيوبهم ، مع إقلاعهم عنها ، وندمهم عليها فلهذا قال :
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ
. [ 136 ]
أُولئِكَ
الموصوفون بتلك الصفات
جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ
تزيل عنهم كل محذور .
وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
فيها من النعيم المقيم ، والبهجة والحبور والبهاء ، والخير والسرور ، والقصور ، والمنازل الأنيقة العاليات ، والأشجار المثمرة البهية ، والأنهار الجاريات في تلك المساكن الطيبات .
خالِدِينَ فِيها
لا يحولون عنها ، ولا يبغون بها بدلا ، ولا يغير ما هم فيه من النعيم .
وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
عملوا للّه قليلا فأجروا كثيرا ف « عند الصباح يحمد القوم السرى » ، وعند الجزاء يجد العامل أجره كاملا موفرا . وهذه الآيات الكريمات ، من أدلة أهل السنة والجماعة ، على أن الأعمال تدخل في الإيمان ، خلافا للمرجئة . وجه الدلالة إنما يتم بذكر الآية ، التي في سورة الحديد ، نظير هذه الآيات وهي قوله تعالى :
سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
، فلم يذكر فيها إلا لفظ الإيمان به ، وبرسله ، وهنا قال :
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
. ثم وصف المتقين ، بهذه الأعمال المالية والبدنية ، فدل على أن هؤلاء المتقين الموصوفين بهذه الصفات ، هم أولئك المؤمنون .