تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
فكانوا ثلاثمائة ، وبضعة عشر ، في قلة ظهر ، ورثاثة سلاح ، وأعداؤهم يناهزون الألف ، في كمال العدة والسلاح .
فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
الذي أنعم عليكم بنصره . [ 124 - 127 ]
إِذْ تَقُولُ
مبشرا
لِلْمُؤْمِنِينَ
مثبتا لجنانهم :
أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا
، أي : من حملتهم هذه بهذا الوجه .
يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ
، أي : معلمين علامة الشجعان . واختلف الناس ، هل كان هذا الإمداد حصل فيه من الملائكة ، مباشرة للقتال ، كما قاله بعضهم ، أو أن ذلك تثبيت من اللّه لعباده المؤمنين ، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين ، كما قاله كثير من المفسرين . ويدل عليه قوله :
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
( 126 ) ، وفي هذا أن الأسباب لا يعتمد عليها العبد ، بل يعتمد على اللّه . وإنما الأسباب وتوفرها ، فيها طمأنينة للقلوب ، وثبات كل على الخير .
لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ
( 127 ) ، أي : نصر اللّه لعباده المؤمنين ، لا يعدو أن يكون قطعا لطرف من الكفار ، أو ينقلبوا بغيظهم ، لم ينالوا خيرا ، كما أرجعهم يوم الخندق ، بعد ما كانوا قد أتوا على حرد قادرين ، أرجعهم اللّه بغيظهم خائبين . [ 128 ] لما أصيب صلى اللّه عليه وسلم يوم « أحد » وكسرت رباعيته ، وشج في رأسه ، جعل يقول : « كيف يفلح قوم ، شجوا وجه نبيهم ، وكسروا رباعيته » ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، وبين أن الأمر كله للّه ، وأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ليس له من الأمر شيء ، لأنه عبد من عبيد اللّه ، والجميع تحت عبودية ربهم ، مدبّرون لا مدبّرون . وهؤلاء الذين دعوت عليهم ، أيها الرسول ، أو استبعدت فلاحهم وهدايتهم ، إن شاء اللّه تاب عليهم ، ووفقهم للدخول في الإسلام ، وقد فعل ، فإن أكثر أولئك هداهم اللّه فأسلموا . وإن شاء اللّه عذبهم ، فإنهم ظالمون ، مستحقون لعقوبات اللّه وعذابه . [ 129 ]
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
يخبر تعالى ، أنه هو المتصرف في العالم العلوي والسفلي ، وأنه يتوب على من يشاء ، فيغفر له ، ويخذل من يشاء ، فيعذبه .
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فمن صفته اللازمة ، كمال المغفرة والرحمة ، ووجود مقتضياتهما في الخلق والأمر ، يغفر للتائبين ، ويرحم من قام بالأسباب الموجبة للرحمة . قال تعالى :
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
( 132 ) . [ 130 - 131 ] تقدم في مقدمة هذا التفسير ، أن العبد ينبغي له مراعاة الأوامر والنواهي في نفسه وفي غيره ، وأن اللّه تعالى إذا أمره بأمر ، وجب عليه - أولا - أن يعرف حده ، وما هو الذي أمر به ، ليتمكن بذلك من امتثاله ، فإذا عرف ذلك ، اجتهد ، واستعان باللّه على امتثاله ، في نفسه وفي غيره ، بحسب قدرته وإمكانه . وكذلك إذا نهي عن أمر ، عرف حده ، وما يدخل فيه ، وما لا يدخل ، ثم اجتهد واستعان بربه في تركه . وأن هذا ينبغي مراعاته في جميع الأوامر الإلهية والنواهي . وهذه الآيات الكريمات ، وقد اشتملت على أوامر وخصال من خصال الخير ، أمر اللّه بها ، وحث على فعلها ، وأخبر عن جزاء أهلها ، وعلى نواهي ، حث على تركها . ولعل الحكمة - واللّه أعلم - في إدخال