تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
غني عنه ، وسيقيم دينه ، ويعز عباده المؤمنين ، فلما وبخ تعالى ، من انقلب على عقبيه ، مدح من ثبت مع رسوله ، وامتثل أمر ربه ، فقال :
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
، والشكر لا يكون إلا بالقيام بعبودية اللّه تعالى على كل حال . وفي هذه الآية الكريمة ، إرشاد من اللّه تعالى لعباده ، أن يكونوا بحالة ، لا يزعزعهم عن إيمانهم ، أو عن بعض لوازمه ، فقد رئيس ولو عظم ، وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدين ، بعدة أناس من أهل الكفاءة فيه ، إذا فقد أحدهم قام به غيره . وأن يكون عموم المؤمنين ، قصدهم إقامة دين اللّه ، والجهاد عنه ، بحسب الإمكان لا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس ، فبهذه الحال ، يستتب لهم أمرهم ، وتستقيم أمورهم . وفي هذه الآية أيضا ، أعظم دليل على فضيلة الصديق الأكبر ، أبي بكر ، وأصحابه الذين قاتلوا المرتدين بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لأنهم هم سادات الشاكرين . ثم أخبر تعالى أن النفوس جميعها معلقة بآجالها ، بإذن اللّه ، وقدره وقضائه ، فمن حتم عليه بالقدر أن يموت ، مات ولو بغير سبب ، ومن أراد بقاءه ، فلو وقع من الأسباب كل سبب ، لم يضره ذلك قبل بلوغ أجله ، وذلك أن اللّه قضاه ، وقدّره ، وكتبه إلى أجل مسمى :
إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
. [ 145 ] ثم أخبر تعالى ، أنه يعطي الناس من ثواب الدنيا والآخرة ، ما تعلقت به إرادتهم ، فقال :
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها
. قال اللّه تعالى :
كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 20 ) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
( 21 ) .
وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ
، ولم يذكر جزاءهم ، ليدل ذلك على كثرته وعظمته ، وليعلم أن الجزاء ، على قدر الشكر ، قلة وكثرة ، وحسنا . [ 146 ] هذا تسلية للمؤمنين ، وحث على الاقتداء بهم ، والفعل كفعلهم ، وأن هذا أمر قد كان متقدما ، لم تزل سنة اللّه جارية بذلك ، فقال :
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ
، أي : وكم من نبي
قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ
، أي : جماعات كثيرون من أتباعهم ، الذين قد ربتهم الأنبياء بالإيمان ، والأعمال الصالحة ، فأصابهم قتل وجراح وغير ذلك .
فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا
، أي : ما ضعفت قلوبهم ، ولا وهنت أبدانهم ، ولا استكانوا ، أي : ذلوا لعدوهم ، بل صبروا وثبتوا ، وشجعوا أنفسهم ، ولهذا قال :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ
. [ 147 ] ثم ذكر قولهم ، واستنصارهم لربهم ، فقال :
وَما كانَ قَوْلَهُمْ
، أي : في تلك المواطن الصعبة
إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا
، والإسراف هو مجاوزة الحد ، إلى ما حرم ، علموا أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان ، وأن التخلي منها ، من أسباب النصر ، فسألوا ربهم مغفرتها . ثم إنهم لم يتكلوا على ما بذلوا جهدهم به ، من الصبر ، بل اعتمدوا على اللّه ، وسألوه أن يثبت أقدامهم عند ملاقاة الأعداء الكافرين ، وأن ينصرهم عليهم ، فجمعوا بين الصبر وترك ضده ، والتوبة والاستغفار ، والاستنصار بربهم . [ 148 ] لا جرم أن اللّه نصرهم ، وجعل لهم العاقبة في الدنيا والآخرة ، ولهذا قال :
فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا
، من النصر والظفر والغنيمة .
وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ
، وهو الفوز برضا ربهم ، والنعيم المقيم ، الذي قد سلم من جميع