تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
ممن ليس كذلك .
وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ
، وهذا أيضا من بعض الحكم ، لأن الشهادة عند اللّه ، من أرفع المنازل ، ولا سبيل لنيلها ، إلا بما يحصل من وجود أسبابها ، فهذا من رحمته بعباده المؤمنين ، أن قيّض لهم من الأسباب ما تكرهه النفوس ، لينيلهم ما يحبون ، من المنازل العالية والنعيم المقيم .
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
، الذين ظلموا أنفسهم ، وتقاعدوا عن القتال في سبيله .
* وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
( 46 ) . [ 141 ]
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
، وهذا أيضا من الحكم ، أن اللّه يمحص بذلك المؤمنين ، من ذنوبهم وعيوبهم ، يدل ذلك على أن الشهادة والقتال في سبيل اللّه ، تكفر الذنوب ، وتزيل العيوب . ويمحص اللّه أيضا المؤمنين من غيرهم من المنافقين ، فيتخلصون منهم ، ويعرفون المؤمن من المنافق . ومن الحكم أيضا أن يقدر ذلك ، ليمحق الكافرين ، أي : ليكون سببا لمحقهم ، واستئصالهم بالعقوبة ، فإنهم إذا انتصروا ، بغوا ، وازدادوا طغيانا إلى طغيانهم ، يستحقون به المعاجلة بالعقوبة ، رحمة بعباده المؤمنين . [ 142 ] ثم قال تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
( 142 ) هذا استفهام إنكاري ، أي : لا تظنوا ، ولا يخطر ببالكم أن تدخلوا الجنة من دون مشقة ، واحتمال المكاره في سبيل اللّه وابتغاء مرضاته ، فإن في الجنة أعلى المطالب ، وأفضل ما به يتنافس المتنافسون ، وكلما عظم المطلوب عظمت وسيلته ، والعمل الموصل إليه ، فلا يوصل إلى الراحة إلا بترك الراحة ، ولا يدرك النعيم ، إلا بترك النعيم . ولكن مكاره الدنيا التي تصيب العبد في سبيل اللّه - عند توطين النفس لها ، وتمرينها عليها ، ومعرفة ما تؤول إليه ، تنقلب - عند أرباب البصائر - منحا يسرون بها ، ولا يبالون بها ، وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . [ 143 ] ثم وبخهم تعالى ، على عدم صبرهم بأمر كانوا يتمنونه ، ويودون حصوله ، فقال :
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ
، وذلك أن كثيرا من الصحابة رضي اللّه عنهم ممن فاته بدر ، كانوا يتمنون أن يحضرهم اللّه مشهدا ، يبذلون فيه جهدهم . قال اللّه تعالى لهم :
فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ
، أي : ما تمنيتم بأعينكم
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
، فما بالكم وترك الصبر ؟ هذه حالة لا تليق ، ولا تحسن ، خصوصا لمن تمنى ذلك ، وحصل له ما تمنى ، فإن الواجب عليه ، بذل الجهد ، واستفراغ الوسع في ذلك . وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكره تمني الشهادة ، ووجه الدلالة أن اللّه تعالى أقرهم على أمنيتهم ، ولم ينكر عليهم ، وإنما أنكر عليهم عدم العمل بمقتضاها ، واللّه أعلم . [ 144 ] ثم قال تعالى :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ
إلى
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
. يقول تعالى :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
، أي : ليس ببدع من الرسل ، بل هو من جنس الرسل الذين قبله ، وظيفتهم تبليغ رسالة ربهم ، وتنفيذ أوامره ، ليسوا بمخلدين ، وليس بقاؤهم شرطا في امتثال أوامر اللّه ، بل الواجب على الأمم ، عبادة ربهم في كل وقت وبكل حال ، ولهذا قال :
أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
بترك ما جاءكم به ، من إيمان أو جهاد ، أو غير ذلك . قال تعالى :
وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً
إنما يضر نفسه ، وإلا ، فاللّه تعالى