تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
في تصرفه . ويخرج من عموم هذه الآية الحوامل ، فعدتهن وضع الحمل ، واللاتي لم يدخل بهن ، فليس لهن عدة ، والإماء ، فعدتهن حيضتان ، كما هو قول الصحابة رضي اللّه عنهم ، وسياق الآية يدل على أن المراد بها الحرة . [ 229 ] كان الطلاق في الجاهلية ، واستمر أول الإسلام ، وهو أن يطلق الرجل زوجته بلا نهاية ، فكان إذا أراد مضارتها ، طلقها ، فإذا شارفت انقضاء عدتها ، راجعها ، ثم طلقها ، وصنع بها مثل ذلك أبدا ، فيحصل عليها من الضرر ما اللّه به عليم . فأخبر تعالى أن
الطَّلاقُ
، أي : الذي تحصل به الرجعة
مَرَّتانِ
، ليتمكن الزوج - إن لم يرد المضارة - من ارتجاعها ، ويراجع رأيه في هذه المدة . وأما ما فوقها ، فليس محلا لذلك ، لأن من زاد على الثنتين ، فإما متجرئ على المحرم ، أوليس له رغبة في إمساكها ، بل قصده المضارة . فلهذا أمر تعالى الزوج ، أن يمسك زوجته
بِمَعْرُوفٍ
، أي : عشرة حسنة ، ويجري مجرى أمثاله مع زوجاتهم ، وهذا هو الأرجح ، وإلا يسرحها ويفارقها
بِإِحْسانٍ
. ومن الإحسان ، أن لا يأخذ على فراقه لها شيئا من ماله ، لأنه ظلم ، وأخذ للمال في غير مقابلة بشيء ، فلهذا قال :
وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
، وهي المخالعة بالمعروف ، بأن كرهت الزوجة زوجها ، لخلقه أو خلقه أو نقص دينه ، وخافت أن لا تطيع اللّه فيه .
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ
؛ لأنه عوض لتحصيل مقصودها من الفرقة ، وفي هذا مشروعية الخلع ، إذا وجدت هذه الحكمة .
تِلْكَ
، أي : ما تقدم من الأحكام الشرعية
يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
، أي : أحكامه التي شرعها لكم ، وأمر بالوقوف معها .
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
، أي ظلم أعظم ممن اقتحم الحلال ، وتعدى منه إلى الحرام ، فلم يسعه ما أحلّ اللّه ؟ والظلم ثلاثة أقسام : ظلم العبد فيما بينه وبين اللّه ، وظلم العبد الأكبر الذي هو الشرك ، وظلم العبد فيما بينه وبين الخلق . فالشرك لا يغفره اللّه بالتوبة ، وحقوق العباد ، لا يترك اللّه منها شيئا . والظلم الذي بين العبد وربه فيما دون الشرك ، تحت المشيئة والحكمة . [ 230 ]
فَإِنْ طَلَّقَها
، أي : الطلقة الثالثة
فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ
، أي : نكاحا صحيحا ويطؤها ، لأن النكاح الشرعي لا يكون صحيحا ، ويدخل فيه العقد والوطء ، وهذا بالاتفاق . ويتعين أن يكون نكاح الثاني ، نكاح رغبة ، فإن قصد به تحليلها للأول ، فليس بنكاح ، ولا يفيد التحليل ، ولا يفيد وطء السيد ، لأنه ليس بزوج ، فإذا تزوجها الثاني راغبا ووطئها ، ثم فارقها ، وانقضت عدتها
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما
، أي : على الزوج الأول والزوجة
أَنْ يَتَراجَعا
، أي : يجددا عقدا جديدا بينهما ، لإضافته التراجع إليهما ، فدل على اعتبار التراضي . ولكن يشترط في التراجع أن يظنا
أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
بأن يقوم كل منهما ، بحق صاحبه ، وذلك إذا ندما على عشرتهما السابقة الموجبة للفراق ، وعزما أن لا يبدلاها بعشرة حسنة ، فهنا لا جناح عليهما في التراجع . ومفهوم الآية الكريمة ، أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود اللّه ، بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية ، والعشرة السيئة غير زائلة أن عليهما في ذلك جناحا ، لأن جميع الأمور ، إن لم يقم فيها أمر اللّه ، ويسلك بها طاعته ، لم يحل الإقدام عليها . وفي هذا دلالة على أنه ينبغي للإنسان ، إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور ، خصوصا الولايات ، الصغار والكبار ، أن ينظر في نفسه ، فإن رأى من نفسه قوة على ذلك ، ووثق بها ، أقدم وإلا أحجم . ولما بين تعالى هذه الأحكام العظيمة ، قال :
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
، أي : شرائعه التي حددها وبينها ووضحها .
يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
لأنهم هم المنتفعون بها ، النافعون لغيرهم . وفي هذا من فضيلة أهل العلم ، ما لا يخفى ، لأن اللّه تعالى جعل تبيينه لحدوده ، خاصا بهم ، وأنهم المقصودون بذلك ، وفيه أن اللّه تعالى يحب من عباده ، معرفة حدود ما أنزل على رسوله والتفقّه بها . [ 231 ] ثم قال تعالى :
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ
، أي : طلاقا رجعيا بواحدة أو اثنتين .
فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
، أي : قاربن انقضاء عدتهن .
فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ
، أي : إما أن تراجعوهن ، ونيتكم القيام بحقوقهن ، أو تتركوهن بلا رجعة ولا إضرار ، ولهذا قال :
وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً
، أي : مضارة بهن
لِتَعْتَدُوا
في فعلكم هذا