تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
ترك ما هو أحب إليه ، فنهى عباده أن يجعلوا أيمانهم عرضة ، أي : مانعة وحائلة عن أن يبروا ، أي : يفعلوا خيرا ، ويتقوا شرا ، ويصلحوا بين الناس . فمن حلف على ترك واجب ، وجب حنثه ، وحرم إقامته على يمينه ، ومن حلف على ترك مستحب ، استحب له الحنث ، ومن حلف على فعل محرم ، وجب الحنث ، أو على فعل مكروه ، استحب الحنث ، وأما المباح فينبغي فيه حفظ اليمين عن الحنث . ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة ، أنه « إذا تزاحمت المصالح ، قدم أهمها » ، فهنا تتميم اليمين مصلحة ، وامتثال أوامر اللّه في هذه الأشياء مصلحة أكبر من ذلك ، فقدمت لذلك . ثم ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين ، فقال :
وَاللَّهُ سَمِيعٌ
، أي : لجميع الأصوات
عَلِيمٌ
بالمقاصد والنيات ، ومنه سماعه لأقوال الحالفين ، وعلمه بمقاصدهم هل هي خير أم شر . وفي ضمن ذلك التحذير من مجازاته ، وأن أعمالكم ونياتكم ، قد استقر علمها عنده . [ 225 ] ثم قال تعالى :
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ
( 225 ) . أي : لا يؤاخذكم بما يجري على ألسنتكم من الأيمان اللاغية ، التي يتكلم بها العبد من غير قصد منه ولا كسب قلب ، ولكنها جرت على لسانه ، كقول الرجل في عرض كلامه : « لا واللّه » ، و « بلى واللّه » ، وكحلفه على أمر ماض ، يظن صدق نفسه ، وإنما المؤاخذة ، على ما قصده القلب . وفي هذا دليل على اعتبار المقاصد في الأقوال ، كما هي معتبرة في الأفعال . واللّه
غَفُورٌ
لمن تاب إليه ،
حَلِيمٌ
بمن عصاه ، حيث لم يعاجله بالعقوبة ، بل حلم عنه وستر ، وصفح مع قدرته عليه ، وكونه بين يديه . [ 226 ] وهذا من الأيمان الخاصة بالزوجة ، في أمر خاص وهو حلف الرجل ، على ترك وطء زوجته مطلقا ، أو مقيدا ، بأقل من أربعة أشهر أو أكثر . فمن آلى من زوجته خاصة - فإن كان لدون أربعة أشهر ، فهذا مثل سائر الأيمان ، إن حنث كفر ، وإن أتم يمينه ، فلا شيء عليه ، وليس لزوجته عليه سبيل ، لأنه ملكه أربعة أشهر . وإن كان أبدا ، أو مدة تزيد على أربعة أشهر ، ضربت له مدة أربعة أشهر من يمينه ، إذا طلبت زوجته ذلك ، لأنه حق لها ، فإذا تمت ، أمر بالفيئة ، وهو الوطء ، فإن وطئ ، فلا شيء عليه إلا كفارة اليمين ، وإن امتنع أجبر على الطلاق ، فإن امتنع طلق عليه الحاكم . ولكن الفيئة والرجوع إلى زوجته ، أحب إلى اللّه تعالى ، ولهذا قال :
فَإِنْ فاؤُ
، أي : رجعوا إلى ما حلفوا على تركه ، وهو الوطء .
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
يغفر لهم ما حصل منهم من الحلف ، بسبب رجوعهم .
رَحِيمٌ
حيث جعل لأيمانهم كفارة وتحلة ، ولم يجعلها لازمة لهم ، غير قابلة للانفكاك ، ورحيم بهم أيضا ، حيث فاءوا إلى زوجاتهم ، وحنوا عليهن ورحموهن . [ 227 ]
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ
، أي : امتنعوا عن الفيئة ، فكان ذلك دليلا على رغبتهم عنهن ، وعدم إرادتهم لأزواجهم ، وهذا لا يكون إلا عزما على الطلاق ، فإن حصل هذا الحق الواجب منه مباشرة ، وإلا أجبره الحاكم عليه ، أو قام به .
فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
فيه وعيد وتهديد ، لمن يحلف هذا الحلف ، ويقصد بذلك المضارة والمشاقة . ويستدل بهذه الآية ، على أن الإيلاء ، خاص بالزوجة ، لقوله :
مِنْ نِسائِهِمْ
، وعلى وجوب الوطء في كل أربعة أشهر مرة ، لأنه بعد الأربعة ، يجبر ، إما على الوطء ، أو على الطلاق ، ولا يكون ذلك إلا لتركه واجبا . [ 228 ] أي : النساء اللاتي طلقهن أزواجهن
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
، أي : ينتظرن ويعتددن مدة
ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
، أي : حيض ، أو أطهار على اختلاف العلماء في المراد بذلك ، مع أن الصحيح أن القرء ، الحيض ، ولهذه العدة ، عدة حكم ، منها : العلم ببراءة الرحم ، إذا تكرر عليها ثلاثة الأقراء ، علم أنه ليس في رحمها حمل ، فلا يفضي إلى اختلاط الأنساب . ولهذا أوجب تعالى عليهن الإخبار عن
ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ
وحرم عليهن كتمان ذلك من حمل أو حيض ، لأن كتمان ذلك ، يفضي إلى مفاسد كثيرة ، فكتمان الحمل ، موجب أن تلحقه بغير من هو له ، رغبة فيه أو استعجالا لانقضاء العدة . فإذا ألحقته بغير أبيه ، حصل من قطع الرحم والإرث ، واحتجاب محارمه وأقاربه عنه ،