تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1101

مساهمون:

ص١١٠١
[ 15 ] ولهذا جوزي على ذلك ، بأن حجب عن اللّه ، كما حجب قلبه عن آيات اللّه . [ 16 ]
ثُمَّ إِنَّهُمْ
مع هذه العقوبة البليغة
لَصالُوا الْجَحِيمِ
. [ 17 ] ثم يقال لهم توبيخا وتقريعا
هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
. فذكر لهم ثلاثة أنواع من العذاب : عذاب الجحيم ، وعذاب التوبيخ واللوم ، وعذاب الحجاب عن رب العالمين ، المتضمن لسخطه وغضبه عليهم ، وهو أعظم عليهم من عذاب النار . ودل مفهوم الآية ، على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة في الجنة ، ويتلذذون بالنظر إليه أعظم من سائر اللذات ، ويبتهجون بخطابه ، ويفرحون بقربه ، كما ذكر اللّه ذلك في عدة آيات من القرآن ، وتواتر فيه النقل عن رسول صلّى اللّه عليه وسلّم . وفي هذه الآيات ، التحذير من الذنوب ، فإنها ترين على القلب وتغطيه ، شيئا فشيئا . حتى ينطمس نوره ، وتموت بصيرته ، فتنقلب عليه الحقائق ، فيرى الباطل حقا ، والحق باطلا ، وهذا من أعظم عقوبات الذنوب . [ 18 ] لما ذكر أن كتاب الفجار في أسفل الأمكنة وأضيقها ، ذكر أن كتاب الأبرار في أعلاها ، وأوسعها ، وأفسحها . وأن كتابهم
كِتابٌ مَرْقُومٌ ( 20 ) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ
( 21 ) من الملائكة الكرام ، وأرواح الأنبياء ، والصديقين والشهداء ، وينوّه اللّه بذكرهم في الملأ الأعلى . و « عليون » اسم لأعلى الجنة . فلما ذكر كتابهم ، ذكر أنهم في نعيم ، وهو اسم جامع لنعيم القلب ، والروح ، والبدن . [ 23 ]
عَلَى الْأَرائِكِ
، أي : على السرر المزينة بالفرش الحسان .
يَنْظُرُونَ
إلى ما أعد اللّه لهم من النعيم ، وينظرون إلى وجه ربهم الكريم . [ 24 ]
تَعْرِفُ
أيها الناظر
فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ
، أي : بهاءه ونضارته ورونقه . فإن توالي اللذات ، والمسرات ، والأفراح ، يكسب الوجه نورا ، وحسنا ، وبهجة . [ 25 ]
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ
وهو من أطيب ما يكون من الأشربة وألذها .
مَخْتُومٍ
ذلك الشراب [ 26 ]
خِتامُهُ مِسْكٌ
. يحتمل أن المراد مختوم عن أن يداخله شيء ينقص لذته ، أو يفسد طعمه ، وذلك الختام ، الذي ختم به مسك . ويحتمل أن المراد أنه الذي يكون في آخر الإناء ، الذي يشربون منه الرحيق حثالة ، وهي المسك الأذفر . فهذا الكدر منه ، الذي جرت العادة في الدنيا ، أنه يراق ، يكون في الجنة بهذه المثابة .
وَفِي ذلِكَ
النعيم المقيم ، الذي لا يعلم حسنه ومقداره إلا اللّه .
فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ
، أي : فليتسابقوا في المبادرة إليه بالأعمال الموصلة إليه ، فهذا أولى ما بذلت فيه نفائس الأنفاس ، وأحرى ما تزاحمت للوصول إليه فحول الرجال . [ 27 - 28 ]
وَ
هذا الشراب
مِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ( 27 ) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ
( 28 ) صرفا وهي أعلى أشربة الجنة على الإطلاق ، فلذلك كانت خالصة للمقربين ، الذين هم أعلى الخلق منزلة ، وممزوجة لأصحاب اليمين ، أي : مخلوطة بالرحيق وغيره من الأشربة اللذيذة . [ 29 ] لما ذكر تعالى جزاء المجرمين ، وجزاء المحسنين ، وذكر ما بينهما من التفاوت العظيم ، أخبر أن المجرمين كانوا في الدنيا ، يسخرون بالمؤمنين ، ويستهزءون بهم ، ويضحكون منهم ، فيتغامزون بهم ، عند مرورهم عليهم ، احتقارا لهم وازدراء ، ومع هذا تراهم مطمئنين ، لا يخطر الخوف على بالهم . [ 31 ]
وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ
صباحا ومساء
انْقَلَبُوا فَكِهِينَ
، أي : مسرورين مغتبطين . وهذا أشد ما يكون من الاغترار ، أنهم جمعوا بين غاية الإساءة ،