تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1075

مساهمون:

ص١٠٧٥
المعاندون له ويسبونه ، ويسبون ما جاء به ، وأن يمضي على أمر اللّه ، لا يصده عنه صاد ، ولا يرده راد ، وأن يهجرهم هجرا جميلا ، وهو الهجر ، حيث اقتضت المصلحة الهجر ، الذي لا أذية فيه ، بل يعاملهم بالهجر والإعراض عن أقوالهم الّتي تؤذيه ، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن . [ 11 ]
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ
، أي : اتركني وإياهم ، فسأنتقم منهم ، وإن أمهلتهم ، فلا أهملهم . وقوله :
أُولِي النَّعْمَةِ
، أي : أصحاب النعمة والغنى ، الّذين طغوا حين وسع اللّه عليهم من رزقه ، وأمدهم من فضله كما قال تعالى :
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
( 7 ) . [ 12 ] ثمّ توعدهم بما عنده من العقاب ، فقال :
إِنَّ لَدَيْنا
إلى
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ
. أي : إن عندنا
أَنْكالًا
، أي : عذابا شديدا ، جعلناه تنكيلا للذي لا يزال مستمرا على ما يغضب اللّه .
وَجَحِيماً
، أي : نارا حامية [ 13 ]
وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ
وذلك لمرارته وبشاعته ، وكراهة طعمه وريحه الخبيث المنتن .
وَعَذاباً أَلِيماً
، أي : موجعا مفظعا ، وذلك [ 14 ]
يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ
من الهول العظيم .
وَكانَتِ الْجِبالُ
الراسيات الصم الصلاب
كَثِيباً مَهِيلًا
، أي : بمنزلة الرمل المنهال المنتثر ، ثمّ إنها تبس بعد ذلك ، فتكون كالهباء المنثور . [ 15 ] يقول تعالى : احمدوا ربكم ، على إرساله هذا النبي الأمي العربي البشير النذير ، الشاهد على الأمة بأعمالهم ، واشكروه ، وقوموا بهذه النعمة الجليلة . [ 16 ] وإياكم أن تكفروا ، فتعصوا رسولكم ، فتكونوا كفرعون ، حين أرسل اللّه إليه موسى بن عمران ، فدعاه إلى اللّه ، وأمره بالتوحيد ، فلم يصدقه ، بل عصاه ، فأخذه اللّه أخذا وبيلا ، أي : شديدا بليغا . [ 17 - 18 ] أي : فكيف يحصل لكم الفكاك والنجاة يوم القيامة ، اليوم المهول أمره ، العظيم خطره ، الذي يشيب الولدان ، وتذوب له الجمادات العظام ، فتتفطر السماء وتنتثر نجومها
كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا
، أي : لا بد من وقوعه ، ولا حائل دونه . [ 19 ] أي : إن هذه الموعظة الّتي نبأ اللّه بها من أحوال يوم القيامة وأهوالها تذكرة يتذكر بها المتقون ، وينزجر بها المؤمنون .
فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا
، أي : طريقا موصلا إليه ، وذلك باتباع شرعه ، فإنه قد أبانه كلّ البيان ، وأوضحه غاية الإيضاح . وفي هذا دليل على أن اللّه تعالى أقدر العباد على أفعالهم ، ومكّنهم منها ، لا كما يقوله الجبرية : إن أفعالهم تقع بغير مشيئتهم ، فإن هذا خلاف النقل والعقل . [ 20 ] ذكر اللّه في أول هذه السورة أنه أمر رسوله بقيام نصف الليل ، وثلثيه ، أو ثلثه ، والأصل أن أمته أسوة له في الأحكام . وذكر في هذا الموضع ، أنه امتثل ذلك ، هو وطائفة معه من المؤمنين . ولما كان تحرير الوقت المأمور به ، مشقة على الناس ، أخبر أنه سهل عليهم في ذلك غاية التسهيل ، فقال :
وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
، أي : يعلم مقاديرهما ، وما يمضي ، ويبقى منهما .
عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ
، أي : لن تعرفوا مقداره من غير زيادة ولا نقص ، لكون ذلك يستدعي انتباها ، وعناء زائدا .
فَتابَ عَلَيْكُمْ
، أي : فخفف عنكم ، وأمركم بما تيسر عليكم ، سواء زاد على