تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1065

مساهمون:

ص١٠٦٥

سورة المعارج

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ 1 - 3 ] يقول تعالى - مبينا جهل المعاندين ، واستعجالهم لعذاب اللّه ، استهزاء وتعنتا وتعجيزا :
سَأَلَ سائِلٌ
، أي : دعا داع ، واستفتح مستفتح
بِعَذابٍ واقِعٍ ( 1 ) لِلْكافِرينَ
لاستحقاقهم له بكفرهم وعنادهم
لَيْسَ لَهُ دافِعٌ ( 2 ) مِنَ اللَّهِ
، أي : ليس لهذا العذاب ، الذي استعجل به من استعجل ، من متمردي المشركين ، أحد يدفعه قبل نزوله ، أو يرفعه بعد نزوله . وهذا حين دعا النضر بن الحارث القرشي أو غيره من المكذبين ، فقال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ، فأمطر علينا حجارة من السماء ، أو ائتنا بعذاب أليم . فالعذاب لا بد أن يقع عليهم من اللّه ، فإما أن يعجل لهم في الدنيا ، وإما أن يدخر لهم في الآخرة . فلو عرفوا اللّه ، وعرفوا عظمته ، وسعة سلطانه ، وكمال أسمائه وصفاته ، لما استعجلوا ولاستسلموا وتأدبوا ، ولهذا ذكر تعالى من عظمته ، ما يضاد أقوالهم القبيحة ، فقال :
ذِي الْمَعارِجِ
. [ 4 ]
تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ
، أي : ذو العلو والجلال ، والعظمة ، والتدبير لسائر الخلق ، الذي تعرج إليه الملائكة ، بما جعلها على تدبيره ، وتعرج إليه الروح . وهذا اسم جنس ، يشمل الأرواح كلها ، برّها وفاجرها ، وهذا عند الوفاة . فأما الأبرار ، فتعرج أرواحهم إلى اللّه ، فيؤذن لها من سماء إلى سماء ، حتى تنتهي إلى السماء التي فيها اللّه عزّ وجل ربها ، فتحيّي وتسلم عليه ، وتحظى بقربه ، وتبتهج بالدنو منه ، ويحصل لها منه الثناء والإكرام ، والبر والإعظام . وأما أرواح الفجار ، فتعرج ، فإذا وصلت إلى السماء ، استأذنت فلا يؤذن لها ، وأعيدت إلى الأرض . ثمّ ذكر المسافة الّتي تعرج فيها الملائكة والروح إلى اللّه ، وأنها تعرج في يوم بما يسر لها من الأسباب ، وأعانها عليه من اللطافة والخفة ، وسرعة السير . مع أن تلك المسافة على السير المعتاد ، مقدار خمسين ألف سنة ، من ابتداء العروج إلى بلوغها ، ما حدّ لها ، وما تنتهي إليه من الملأ الأعلى . فهذا الملك العظيم ، والعالم الكبير ، علوية وسفليه ، جميعه قد تولى خلقه وتدبيره ، العلي الأعلى . فعلم أحوالهم الظاهرة والباطنة ، ومستقرهم ومستودعهم ، وأوصلهم من رحمته وبره وإحسانه ، ما عمهم وشملهم ، وأجرى عليهم حكمه القدري وحكمه الشرعي ، وحكمه الجزائي . فبؤسا لأقوام جهلوا عظمته ، ولم يقدروه حق قدره ، فاستعجلوا بالعذاب على وجه التعجيز والامتحان . وسبحان الحليم الذي أمهلهم وما أهملهم ، وآذوه فصبر عليهم ، وعافاهم ورزقهم . هذا أحد الاحتمالات في تفسير هذه الآية الكريمة ، فيكون هذا العروج والصعود في الدنيا ، لأن السياق الأول يدل عليه . ويحتمل أن هذا في يوم القيامة ، وأن اللّه تعالى يظهر لعباده في يوم القيامة ، من عظمته وجلاله وكبريائه ، ما هو أكبر دليل على معرفته ، مما يشاهدونه من عروج الأملاك والأرواح ، صاعدة ونازلة ، بالتدابير الإلهية ، والشؤون الربانية .
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
من طوله وشدته ، لكن اللّه تعالى ، يخففه على المؤمن . [ 5 ] وقوله :
فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا
( 5 ) ، أي : اصبر على