تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
تعالى :
وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
، فيكون المتقون في أعلى الدرجات ، متمتعين بأنواع النعيم والسرور ، والبهجة والحبور . والكفار تحتهم في أسفل الدركات ، معذبين بأنواع العذاب والإهانة ، والشقاء السرمدي ، الذي لا منتهى له ، ففي هذه الآية تسلية للمؤمنين ، ونعي على الكافرين . ولما كانت الأرزاق الدنيوية والأخروية لا تحصل إلا بتقدير اللّه ، ولن تنال إلا بمشيئة اللّه ، قال تعالى :
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
، فالرزق الدنيوي ، يحصل للمؤمن والكافر ، وأما رزق القلوب من العلم والإيمان ، ومحبة اللّه ، وخشيته ورجائه ، ونحو ذلك ، فلا يعطيها إلا من يحبه . [ 213 ] أي : كان الناس مجتمعين على الكفر والضلال والشقاء ، ليس لهم نور ولا إيمان ، فرحمهم اللّه تعالى بإرسال الرسل إليهم
مُبَشِّرِينَ
من أطاع اللّه بثمرات الطاعات ، من الرزق والقوة في البدن والقلب ، والحياة الطيبة ، وأعلى ذلك الفوز برضوان اللّه والجنة .
وَمُنْذِرِينَ
من عصى اللّه بثمرات المعصية ، من حرمان الرزق ، والضعف ، والإهانة ، والحياة الضيقة ، وأشد ذلك ، سخط اللّه والنار .
وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ
، وهو الإخبارات الصادقة ، والأوامر العادلة . فكل ما اشتملت عليه الكتب الإلهية ، فهو حق يفصل بين المختلفين في الأصول والفروع ، وهذا هو الواجب عند الاختلاف والتنازع ، أن يرد الاختلاف والتنازع ، إلى اللّه وإلى رسوله ، ولولا أن في كتابه وسنة رسوله فصل النزاع لما أمر بالرد إليهما . ولما ذكر نعمته العظيمة بإنزال الكتب على أهل الكتاب ، وكان هذا يقتضي اتفاقهم عليها واجتماعهم ، أخبر تعالى أنهم بغى بعضهم على بعض ، وحصل النزاع والخصام وكثرة الاختلاف . فاختلفوا في الكتاب الذي ينبغي أن يكونوا أولى الناس بالاجتماع عليه ، وذلك من بعد ما علموه وتيقنوه بالآيات البينات ، والأدلة القاطعات ، وضلوا بذلك ضلالا بعيدا .
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
من هذه الأمة
لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ
، فكل ما اختلف فيه أهل الكتاب ، وأخطئوا فيه الحق والصواب ، هدى اللّه للحق فيه هذه الأمة
بِإِذْنِهِ
تعالى وتيسيره لهم ورحمته .
وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
. فعمّ الخلق تعالى بالدعوة إلى الصراط المستقيم ، عدلا منه تعالى ، وإقامة حجة على الخلق ، لئلا يقولوا :
ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ
، وهدى - بفضله ورحمته ، وإعانته ولطفه - من شاء من عباده ، فهذا فضله وإحسانه ، وذاك عدله وحكمته ، تبارك وتعالى . [ 214 ] يخبر تبارك وتعالى ، أنه لا بد أن يمتحن عباده بالسراء والضراء والمشقة كما فعل بمن قبلهم ، فهي سنته الجارية ، التي لا تتغير ولا تتبدل ، أن من قام بدينه وشرعه ، لا بد أن يبتليه ، فإن صبر على أمر اللّه ، ولم يبال بالمكاره الواقعة في سبيله ، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها ، ومن السيادة آلتها . ومن جعل فتنة الناس كعذاب اللّه ، بأن صدّته المكاره عما هو بصدده ، وثنته المحن عن مقصده ، فهو الكاذب في دعوى الإيمان ، فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني ، ومجرد الدعاوى ، حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه . فقد جرى على الأمم الأقدمين ما ذكر اللّه عنهم
مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ
، أي : الفقر والأمراض في أبدانهم .
وَزُلْزِلُوا
بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل ، والنفي ، وأخذ الأموال ، وقتل الأحبة ، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال ، وآل بهم الزلزال ، إلى أن استبطئوا نصر اللّه مع يقينهم