تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
به . ولكن لشدة الأمر وضيقه
يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ
. فلما كان الفرج عند الشدة ، وكلما ضاق الأمر اتسع ، قال تعالى :
أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ
، فهكذا كل من قام بالحق فإنه يمتحن . فكلما اشتدت عليه وصعبت - إذا صابر وثابر على ما هو عليه - انقلبت المحنة في حقه منحة ، والمشقات راحات ، وأعقبه ذلك الانتصار على الأعداء ، وشفاء ما في قلبه من الداء ، وهذه الآية نظير قوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
( 142 ) . وقوله تعالى :
ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 ) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
( 3 ) ، فعند الامتحان ، يكرم المرء أو يهان . [ 215 ] أي : يسألونك عن النفقة ، وهذا يعم السؤال عن المنفق والمنفق عليه ، فأجابهم عنها ، فقال :
قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ
، أي : مال قليل أو كثير ، فأولى الناس به ، وأحقهم بالتقديم ، أعظمهم حقا عليك ، وهم الوالدان الواجب برهما ، والمحرم عقوقهما . ومن أعظم برهما ، النفقة عليهما ، ومن أعظم العقوق ، ترك الإنفاق عليهما ، ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة ، على الولد الموسر . ومن بعد الوالدين ، الأقربون على اختلاف طبقاتهم ، الأقرب فالأقرب ، على حسب القرب والحاجة ، فالإنفاق عليه صدقة وصلة .
وَالْيَتامى
، وهم الصغار الذين لا كاسب لهم ، فهم في مظنة الحاجة ، لعدم قيامهم بمصالح أنفسهم ، وفقد الكاسب ، فوصى اللّه بهم العباد ، رحمة منه بهم ولطفا .
وَالْمَساكِينِ
وهم أهل الحاجات ، وأرباب الضرورات الذين أسكنتهم الحاجة ، فينفق عليهم لدفع حاجاتهم وإغنائهم .
وَابْنِ السَّبِيلِ
، أي : الغريب المنقطع به في غير بلده ، فيعان على سفره بالنفقة التي توصله إلى مقصده . ولما خصّص اللّه تعالى على هؤلاء الأصناف ، لشدة الحاجة ، عمم تعالى ، فقال :
وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ
: من صدقة على هؤلاء وغيرهم ، بل ومن جميع أنواع الطاعات والقربات ، لأنها تدخل في اسم الخير .
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
، فيجازيكم عليه ، ويحفظه لكم ، كل على حسب نيته وإخلاصه ، وكثرة نفقته وقلتها ، وشدة الحاجة إليها ، وعظم وقعها ونفعها . [ 216 ] هذه الآية ، فيها فرض القتال في سبيل اللّه ، بعد ما كان المؤمنون مأمورين بتركه ، لضعفهم وعدم احتمالهم لذلك ، فلما هاجر النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، وكثر المسلمون وقووا ، أمرهم اللّه تعالى بالقتال ، وأخبر أنه مكروه للنفوس ، لما فيه من التعب والمشقة ، وحصول أنواع المخاوف والتعرض للمتالف . ومع هذا ، فهو خير محض ، لما فيه من الثواب العظيم ، والتحرز من العقاب الأليم ، والنصر على الأعداء والظفر بالغنائم ، وغير ذلك مما هو مرب ، على ما فيه من الكراهة .
وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة ، فإنه شر ، لأنه يعقب الخذلان ، وتسلط الأعداء على الإسلام وأهله ، وحصول الذل والهوان ، وفوات الأجر العظيم وحصول العقاب . وهذه الآيات عامة مطردة في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس - لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة - فهي شر ، بلا شك . وأما أحوال الدنيا ، فليس الأمر مطردا ، ولكن الغالب على العبد المؤمن ، أنه إذا أحب أمرا من الأمور ، فقيض اللّه له من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير له ، فالأوفق له في ذلك أن يشكر اللّه ، ويعتقد الخير في الواقع ، لأنه يعلم أن اللّه تعالى أرحم بالعبد من نفسه ، وأقدر على مصلحة عبده منه ، وأعلم بمصلحته منه ، كما قال تعالى :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
، فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره ، سواء سرتكم أو ساءتكم . [ 217 ] ولما كان الأمر بالقتال ، لو لم يقيد ، لشمل الأشهر الحرم وغيرها ، استثنى تعالى القتال في الأشهر الحرم ، فقال :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ
الآية . الجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم ، منسوخ بالأمر بقتال المشركين حيثما وجدوا ، وقال بعض المفسرين : إنه لم ينسخ ، لأن المطلق محمول على المقيد ، وهذه الآية مقيدة ، لعموم الأمر بالقتال مطلقا ؛ ولأن من جملة مزية الأشهر الحرم : بل أكبر مزاياها ، تحريم القتال فيها ، وهذا إنما هو في قتال الابتداء . وأما قتال الدفع ، فإنه يجوز في الأشهر الحرم ، كما يجوز في البلد الحرام . ولما كنت هذه الآية نازلة