تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
بسبب ما حصل لسرية عبد اللّه بن جحش ، وقتلهم عمرو بن الحضرمي ، وأخذهم أمواله ، وكان ذلك - على ما قيل - في شهر رجب ، عيرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم ، وكانوا في تعيير هم ظالمين ، إذ فيهم من القبائح ، ما بعضه أعظم مما عيروا به المسلمين ، قال تعالى في بيان ما فيهم :
وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
، أي : صد المشركين من يريد الإيمان باللّه وبرسوله ، وفتنتهم من آمن به ، وسعيهم في ردهم عن دينهم ، وكفرهم الحاصل في الشهر الحرام ، والبلد الحرام ، الذي هو بمجرده ، كاف في الشر ، فكيف وقد كان في شهر حرام وبلد حرام ؟
وَإِخْراجُ أَهْلِهِ
، أي : أهل المسجد الحرام ، وهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، لأنهم أحق به من المشركين ، وهم عماره على الحقيقة ، فأخرجوهم
مِنْهُ
، ولم يمكنوهم من الوصول إليه ، مع أن هذا البيت ، سواء العاكف فيه والباد . فهذه الأمور كل واحد منها
أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ
في الشهر الحرام ، فكيف وقد اجتمعت فيهم ؟ فعلم أنهم فسقة ظلمة ، في تعييرهم المؤمنين . ثم أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين ، وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم ، وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم ، ويكونوا كفارا بعد إيمانهم حتى يكونوا من أصحاب السعير ، فهم باذلون قدرتهم في ذلك ، ساعون بما أمكنهم ، ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ، ولو كره الكافرون . وهذا الوصف عام لكل الكفار ، لا يزالون يقاتلون غيرهم ، حتى يردوهم عن دينهم ، وخصوصا أهل الكتاب ، من اليهود والنصارى ، ألفوا الجمعيات ، ونشروا الدعاة ، وبثّوا الأطباء ، وبنوا المدارس لجذب الأمم إلى دينهم ، وإدخالهم عليهم ، كل ما يمكنهم من الشبه ، التي تشككهم في دينهم . ولكن المرجو من اللّه تعالى ، الذي منّ على المؤمنين بالإسلام ، واختار لهم دينه القيم ، وأكمل لهم دينه - أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم قيام - ، وأن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره ، ويجعل كيدهم في نحورهم وينصر دينه ، ويعلى كلمته . وتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار ، كما صدقت على من قبلهم
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ
( 36 ) . ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام ، بأن اختار عليه الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافرا ،
فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
لعدم وجود شرطها ، وهو الإسلام ،
وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
. ودلّت الآية بمفهومها ، أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام ، أنه يرجع إليه عمله ، وكذلك من تاب من المعاصي ، فإنها تعود إليه أعماله المتقدمة . [ 218 ] هذه الأعمال الثلاثة ، هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية ، وبها يعرف ما مع الإنسان من الربح الخسران . فأما الإيمان ، فلا تسأل عن فضيلته ، وكيف تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة ، وأهل الجنة من أهل النار ؟ وهو الذي إذا كان مع العبد ، قبلت أعمال الخير منه ، وإذا عدم منه ، لم يقبل له صرف ولا عدل ، ولا فرض ، ولا نفل . وأما الهجرة ، فهي مفارقة المحبوب المألوف ، لرضا اللّه تعالى ، فيترك المهاجر وطنه ، وأمواله ، وأهله ، وخلّانه ، تقرّبا إلى اللّه ، ونصرة لدينه . وأما الجهاد ، فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء ، والسعي
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 106 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي