تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
واعلم أن الحي إذا قذفه آخر بالزنا ، وهو يعلم في نفسه أن القاذف صادق ، فقد قال بعض أهل العلم : إن له المطالبة بحده مع علمه بصدقه فيما رماه به ، وهو مذهب مالك ، ومن وافقه . والأظهر عندي أنه إن كان يعلم إنما قذفه به حق أنه لا تنبغي له المطالبة بحده ، لأنه يتسبب في إيذائه بضرب الحد ، وهو يعلم أنه محق فيما قال . والعلم عند اللّه تعالى . وذكر غير واحد من أهل العلم أن من قذف أم النبي صلى اللّه عليه وسلّم أو قذفه هو صلى اللّه عليه وسلّم أن ذلك ردة ، وخروج من دين الإسلام ، وهو ظاهر لا يخفى ، وأن حكمه القتل ، ولكنهم اختلفوا إذا تاب هل تقبل توبته ؟ فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أنه لا تقبل توبته ويقتل على كل حال وقال بعض أهل العلم : تقبل توبته إن تاب ، وهذا الأخير أقرب لكثرة النصوص الدالة على قبول توبة من تاب ، ولو من أعظم أنواع الكفر . واللّه تعالى أعلم .

المسألة الخامسة والعشرون : في حكم من قذف ولده :

وقد اختلف أهل العلم في ذلك . قال في المغني : وإذا قذف ولده وإن نزل لم يجب الحد عليه ، سواء كان القاذف رجلا أو امرأة وبهذا قال عطاء ، والحسن ، والشافعي ، وإسحاق ، وأصحاب الرأي . وقال مالك ، وعمر بن عبد العزيز ، وأبو ثور ، وابن المنذر عليه الحد لعموم الآية ، ولأنه حد فلا تمنع من وجوبه قرابة الولادة كالزنى . وأظهر القولين دليلا : أنه لا يحد الوالد لولده لعموم قوله :
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
[ البقرة : 83 ] ، [ النساء : 36 ] ، [ الإنعام : 151 ] ، [ الإسراء : 23 ] وقوله :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
[ الإسراء : 23 ] فلا ينبغي للولد أن يطلب حد والده للتشفي منه . وقول المالكية في هذه المسألة في غاية الإشكال ، لأنهم يقولون : إن الولد يمكن من حد والده القاذف له وأنه يعد بحده له فاسقا بالعقوق كما قال خليل في مختصره وله حد أبيه وفسق ، ومعلوم أن الفسق لا يكون إلا بارتكاب كبيرة ، والشرع لا يمكن أحدا من ارتكاب كبيرة . كما ترى مع أن الروايات عن مالك نفسه ظاهرها عدم الحد وقاله غير واحد من أهل مذهبه .

المسألة السادسة والعشرون : في حكم من قتل أو أصاب حدا خارج الحرم ، ثم لجأ إلى الحرم هل يستوفي منه الحق في الحرم ، أو لا يستوفي منه حتى يخرج من الحرم

؟ اعلم أن هذه المسألة فيها للعلماء ثلاثة مذاهب : الأول : أنه يستوفي منه الحق قصاصا كان أو أحدا قتلا كان أو غيره . الثاني : أنه لا يستوفي منه حد ولا قصاص ما دام في الحرم سواء كان قتلا أو غيره . الثالث : أنه يستوفي منه كل شيء من الحدود إلا القتل ، فإنه لا يقتل في الحرم في
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 85 | الشنقيطي